كالولينا زيدو السوايع أبابا

بتاريخ 25 ديسمبر, 2014 - بقلم أسراك24

محمد جمال الدين الناصفي

 

المستنقع الكبير الذي تغرق فيه منظومتنا التعليمية ليس محصورا فقط في مناقشة أو إنزال برنامج مسار أو برنامج مسير الذي سيليه أو في قيمة البرامج أو الكتب المدرسية، أو مستوى المسؤولين المؤهلين لتدبيره أو بنياته التحتية أو تجهيزاته أو هل هناك مراحيض في المدارس أو غيابها، مشكل التعليم الذي ينخره أساسا هو مشكل أخلاقي وتربوي، مشكل عقليات شاذة وجدت في هذا القطاع ضالتها ونفثت جشعها اللا محدود، فقد وصلت بعض السلوكات الإنتهازية إلى مستويات من الدناءة والمعاملات المشينة والتصرفات الإنتهازية الطائشة لبعض من أوكلت إليه مهمة بناء الأجيال والناشئة، التي ينتظر منها الوطن أن تكون لبنات للتنمية والرقي بالمجتمع ككل إلى مصاف الدول الرائدة، وأمام هذه الإنتهاكات الصارخة لا غرابة أن يتحول تعليمنا المفترى عليه إلى شركات خاصة ،وتتحول المؤسسات إلى متاجر للبيع والشراء، تزين أبوابها لافتات لأسماء من الرموز الوطنية ظلما وبهتانا، وتتحول الأقسام إلى أسواق للتبضع بالعملة الخضراء على حساب أبناء الفقراء والمستضعفين، ويتحول التلاميذ إلى أرقام وماركات تجارية للتبضع ، وتتحول المقاعد الدراسية إلى مصائد للإبتزاز والإرتزاق والنهب، وبالتالي ينكشف الغطاء عن عينة من بعض الأساتذة الذي انقلبوا في غفلة من الزمان من مناراة للعلم والتروية المعرفية إلى سماسرة ومرتزقة على حساب أبناء الشعب المقهورين، وكونوا شبكات خاصة محصورة و مسيجة داخل مؤسساتهم، لن يدخلها إلا من لقي الرضى من المجموعة ككل، والقبول من الآمر الذي غالبا ما تكون له الدراية والتجربة الكبيرة بأبجديات هذه السلوكات الخطيرة التي شعارها الخالد هو المال ثم المال.
أتحدث أيها السادة عما يسمى بدروس الدعم التي تكون خارج أي إطار قانوني أو أي نطاق للمراقبة، فضاؤها العام هو بعض المنازل الخاصة، والفيلات، وعلى أسطح البيوت، وفي الغرف الجانبية داخل السكنيات ،وحتى في المقاهي العادية والحدائق، وتهم وياللأسف كل الأسلاك والأعمار ابتداء من كتاكيت رياض الأطفال و مرورا بالمؤسسات الإبتدائية والثانوية ، وتكتسي طابعا وبحجم آخر يعرفه الجميع في الكليات والجامعات.
فمرة سألت ابنة الجيران التي تتابع دراستها في المستوى الخامس ابتدائي وهي تحمل محفظتها في جنح ظلام المساء، إلى أين تقصدين يا هند؟…أخبرتني بكل براءة.. كانزيدو السوايع ديال الفرانسي،،، فين أبنيتي ؟ فدار المعلم ديالنا،،، شحال انتوما ؟ الفوج الأول حنا فيه سطاش الواحد، والفوج الثاني فيه ربعطاش،،، شحال ابنيتي كاتخلصو ليه؟ عشرا لاف ريال للشهر للواحد،ثلاتة د سوايع فالصيمانة، ومول العربية حتا هوا ،غير هوا ناقص عليه فالثمان، هو داير لينا ثمنا لاف ريال فالشهر، والكوسالا ماكايزيدو السوايع حيث ماعندهوم فلوس باش إخلصو المعليم،،،، وهنا على الجميع أن يتساءل عن مصير باقي تلاميذ القسم من الفقراء والمستضعفين الذين لم تسمح لهم ظروف أسرهم المعيشية القاهرة بأن يواكبوا زملاءهم في تلقي دروس الدعم اللا مشروعة التي تكون هي الأساس في منظومة الإبتزاز خارج ما يتلقون في القسم، وهنا لابد لكل ملاحظ أن يرى أثر النعمة على بعض هؤلاء الأساتذة الذين لايتعففون بالدخول بسياراتهم الكاتكات إلى باحات المؤسسات مستعرضين عضلاتهم على إخوانهم الشرفاء في المهنة ،الذين في أحسن الأحوال لا يملكون إلا دراجات نارية أو هوائية مهترئة من النوع المتهالك لسبب واحد هو أنهم ملتزمون بشرف المهنة ،همهم الوحيد هو تلاميذ الشعب بمختلف مستوياتهم وطبقاتهم، ويحرمون على أنفسهم الدخول في هذه المزايدات اللا أخلاقية، ويكدون ويجتهدون ويعطون كل ماعندهم داخل أقسامهم، ولا وجود في أجندتهم لما يسمى بدروس الدعم اللاقانونية التي تفرخ الطبقية داخل المجتمع وتؤزم نفسيات التلاميذ الفقراء وتؤسس لثقافة المال داخل المؤسسات التعليمية العمومية.
أما بالنسبة لتلاميذ الإعدادي ودائما نتحدث عن إطار خارج القانون والمراقبة، فقد يصل سعر ساعة ونصف من الدعم لمادة الرياضيات مثلا إلى 600 درهم والمواد العلمية الأخرى إلى 500 درهم، أما مايسمى باللغات الحية فلكل ثمنها، وأجرها الخاص بها، في المؤسسات الثانوية هذه العملية التجارية لها طعمها الخاص وطرقها الملتوية وتقنياتها المعروفة، وهنا تنتعش بكثير من الإحترافية هذه اللوبيات، وتتخذ لها شبكات خاصة وأقنعة مختلفة وسياجات شبه مكهربة، وتنحصر بين أساتذة لمواد خاصة ومهمة يعرفها الجميع، ومن خلال تجاربها واحترافيتها تبدأ عملها هذه اللوبيات منذ انطلاق الموسم الدراسي، بل أنها تسعى بكل خسة للظفر بنوع مميز من المستويات واستعمالات الزمن على المقاس، وماركات خاصة من التلاميذ ،و لاغرابة أن تساهم بعض إدارات هذه المؤسسات في هذا التوجه منذ انطلاق تسجيلات أبناء الشعب لأنها تمرنت على ذلك، وتعلم علم اليقين أنها ستكون مجبرة علي الخضوع للأمر الواقع مهما بلغت صرامتها وعفتها وديمقراطيتها ووطنيتها…فعادة ومن خلال التجارب المعتمدة أن يقوم بعض هؤلاء منذ الحصة الأولى لتهيئة تلاميذه لهذه العملية التجارية الوقحة التي نسميها الدعارة التربوية بامتياز عبر اختبار مؤهلاتهم في مادته عبر تمرين أو فروض غالبا ما تكون فوق مستوياتهم، وحتما أنه سيضع لهم الأصفار ثم يقحمهم في شباكه تدريجيا ويسألهم السؤال المعتاد : شكون اللي قراكوم العام الفايت هاذ المادة؟
الأستاذ الفلان الفلاني…لا لا هادشي ماشي معقول عليها مكلخين… رغم أن الأستاذ المذكور من المشهود لهم بالكفاءة والإستقامة… خاصكوم تنقذوا ريوسكوم ،… كيفاش أستاذ؟ ويبقى السؤال معلقا ومبهما، لكن شريحة من التلاميذ كايفهموها طايرة ويتحلقون حوله في آخر الحصة… عفاك أستاذ زيد لينا السوايع، وحتى يخرج نفسه من هذه الصفقة يكلف أحدهم لتسجيل المجموعة التي ترغب في هذه الخدمات ،وقد تصل إلى 15 أو 20 تلميذ وتلميذة في كل قسم، في المرحلة الثانية يواجههم ويكشف عن وجهه الحقيقي، راه ما خاصكوم تزيدو السوايع غير فالمادة ديالي، خاصكوم حتى اللغات ، والمواد العلمية فيما أصبح يعرف بالباكاج، أي الصفقة التجارية الشاملة للمجموعة المتناغمة، وعلى نفس المنوال يتصرف باقي أصحاب هذه المواد وشي كايحطب لشي حتى تكتمل الدائرة منذ الأيام الأولى للدراسة…هذه الشبكات المسيجة والمكهربة بإتقان والتي تؤثث العديد من المؤسسات لا يجمعها الإرتزاق والإبتزاز الخطير فقط، بل غالبا ماتجمعها إيديولوجيات شادة تستظل بظلها وبغطاء نقابي مفتوح لكل شيء، لتشكل به ضغطا وحماية لكل ما يمس مصالحها، ومصالح أفرادها وتشكل بذلك نوعا من الإستئساد على الإدارة وعلى الأساتذة الشرفاء الذين لايرددون في مجامعهم الخاصة إلا قراءة اللطيف على ما وصل إليه الشره والعفونة التربوية في أقصى درجاتها، والجميع يعرف أن هذه الشبكات الإرتزاقية قد يصل مدخول الفرد الواحد منها شهريا لاستخلاص ساعات الدعم المفترى عليها مبالغ مالية قد تصل بالكاد إلى30 ألف درهم في المدن الصغرى والمتوسطة ويزداد الرقم كلما توسعت الدائرة الحضارية للمدينة ومكان تواجدها، وهناك البعض من هؤلاء المرتزقة باسم التربية وباسم الدعم الطبقي وتكريسه من يبدأ شغله هذا من الساعة السادسة صباحا إلى منتصف الليل مستعملا سيارته في التنقل عبر كل المحطات والمواقع والمنازل التي يرسمها في خطاطاته بإتقان، لا وقت للفراغ و الإنتظار، حتى قوته اليومي يكون محشوا بين ثنايا محافظه تحسبا لكل الطوارئ، لأن النهب والإرتزاق لا دين له و لا ملة له و لااستقرار له….هذه النماذج لاتعرف شيئا اسمه الجمعيات، ولا الإنخراط في خذمات المجتمع المدني أو هيئات حقوق الإنسان، ولا التنشيط داخل نوادي المؤسسات أو الأعمال الإجتماعية، الإنخراط الوحيد الذي يعرفون قبلته هو النقابة التي يرون فيها درعا ووقاية لحماية مصالحهم كيفما كان لونها أو شكلها أو مؤسسوها … دينهم وملتهم هو المال ولاشيء غيره
بالله عليكم هذا النوع من التجار كيف تتصورون أن يكون آداؤهم داخل أقسامهم الرسمية التي تؤدي الدولة لهم أجورهم على عملهم الحقيقي الذي كونتهم الدولة من أجله، فأكيد أنه سيكثر غيابهم وحتى إذا حضروا إلى أقسامهم فعقولهم وقلوبهم ستكون مع أبناء الهاي كلاص لوضع ماكياج ترميمي على دروس الدعم التي أعطيت لهم في السابق أو التي ستعطى لهم في المساء،أما أبناء الطبقات المسحوقة والمكوحة فيمثلون دور المتتبع والمشاغب والمتفرج على حلقات من فيلم مطول هتشكوكي، ساحته الأقسام، ومخرجوه سماسرة، وعنوانه الدعارة التروية،… أما مديرو المؤسسات فغالبا ما يتحاشون الصدام أو الدخول في سجالات مع هذا النوع من المرتزقين و من نيران الفتن التي تغزو مؤسساتهم إما لاتقاء شرهم وقوة نفوذهم، أو مظلات حمايتهم داخل المؤسسة وخارجها ، وهناك نوع آخر من رؤساء المؤسسات يدخلون مرغمين في تواطئات مشبوهة معهم في إطار تبادل المصالح الواسعة والممتدة داخل أسوار المؤسسات وخارجها، فبالله عليكم أليس من حق الدولة أن تستخلص قيمة الضرائب على مداخيل هؤلاء، فمثلهم كمثل تجار البازار والمخابز والبضائع الأخرى، أو وضعهم إلى حين في لائحة المتهرين من الضرائب.
هذا الشره المتعفن باسم الأبرياء وعلى حساب التلاميذ المستضعفين والفقراء حول هذه الشبكات وفي أغلب المدن، ولأن البداية هي التي تكون صعبة ومدهشة إلى منعشين عقاريين وتجار كبار في كل شيء وسماسرة مقنعين، فالذي يتاجر في الناشئة يسهل عليه المشوار للمتاجرة في كل البضائع الأخرى بداية بالسيارات والعقارات والأغنام وعندما تزدهر تجارته وتكثر ثروته ويتعالى على مهنته وغالبا ما يؤدي به ذلك إلى طلب ما يسمى بالتقاعد النسبي للتفرغ لكل الهمزات الأخرى التي اكتسب من خلالها كل التجارب واحتك بالسوق الكبير لترويج سمسرته وخذماته. ،والكثير من هؤلاء أنشأ مدارس خاصة وأصبحوا مدراء عليها وأصبحت جيبا وجزءا من مشاريعهم المتنوعة لأنهم اكتسبوا الحرفة الأساسية للدخول إلى متاهات الأسواق التجارية من أبوابها الواسعة،..هذه صفحة مؤلمة من صفحات كتاب مشاكلنا التعليمية التي لا تحتاج إلى الزجر أو المراقبة أو تقصي اللجان… المسألة قضية ضمير، مسألة أخلاق وتربية.
نحن هنا لا نوجه أصابع الإتهام لأحد، أو لأي مؤسسة بعينها، أو لأشخاص بعينهم ، نطرح قضية شائكة يعرفها الجميع وسرطانا ينخر مؤسساتنا التعليمية عبر كل مدن البلاد ، ويكرس الطبقية المتعفنة بين تلامذتنا ، لدى نطلب من الجميع المساهمة في معالجتها لأنها مفسدة للوطن وأبنائه،وتخلق أجيالا من الطبقية ،وصراعا غير متكافئ بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، لا نتمنى أبدا أن تكون المؤسسات التعليمية محطة ومسرحا لمعاركه ،ولا نريد أن يكون الوطن ضحيته الأولى والأخيرة..تحية لكل الشرفاء من أساتذة أسرة التعليم والخزي والعار لتجار منتصف الليل .

,