قلوب الحجر

بتاريخ 7 يناير, 2015 - بقلم أسراك24

 

محمد-جمال-الدين-الناصفي
محمد جمال الدين الناصفي///
يحز في النفس وأنت تجلس في مقهى تحتسي فنجان قهوة أو كأس شاي، وتسرح بخيالك نحو المجهول أو نحو هموم حياتك، ثم تتفاجأ بتوقف إمرأة تجر وراءها أطفالا في عمر الورود، تطلب منك رغيف خبز أو درهما لسد رمقها، ويزداد الموقف ألما حينما يأتي إلى أسماعك منها صوت مشرقي خافت مملوء بالأحزان والآلام والآهات ،وتقول نبرات توسلاتها وبلكنة شامية مثخنة بالجراح ورائحة البارود والرصاص: أنا أختكم من سوريا ضاع منا كل شيء، وهجرنا بيوتنا نطلب منكم مساعدتنا برغيف خبز أو دريهمات أو غطاء في هذا البرد القارس، ثم تكشف لك عن جواز سفرها وجنسيتها، جواز سفر تشتم منه روائح البراءة، وقتها تذبحك توسلاتها التي تقطر بكل أنواع الحسرة والألم والمعاناة، ويتحول كأس الشاي بين يديك إلى حنظل مرير، وتتحول جلستك إلى معاناة شعب بأكمله، فهذه هي قمة المأساة الإنسانية والعربية التي شاءت الأقدار والظروف السياسية أن نعيشها وننغمس فيها ونتعايش معها بكل مآسيها في الوقت الذي تنادي به أمريكا وأوروبا بحماية الشعوب المقهورة والحكام المستبدين..
بالأمس بعد صلاة العشاء في أحد المساجد بحي شعبي بمدينتنا إ نطلق صوت مشرقي سوري حزين بين الجموع يتوسل المصلين وأمة الإسلام بأن يرحم أطفاله وعياله بكسرة خبز أو غطاء أو قليل من الدريهمات، وبباب المسجد، وفي الأسواق والساحات بكل المدن وحتى القرى المغربية ، تجد أمامك أسر بكاملها وعائلات وأطفال رضع وعجزة من الشقيقة سوريا يمدون إليك أيديهم طلبا للعون والمساعدة، وفي عيونهم دموع تحكي قصة الظلم والجبروت والمؤامرة التي تتعرض لها سوريا الحبيبة والتي حولها النظام البعثي والعبثي والمستبد الظالم بشار إلى أطلال وركام وخراب ، لكن شيم المغاربة وأخلاقهم وكرمهم وشهامتهم، عودتهم عبر التاريخ أن يكونوا دوما في قلب الأحداث بالإحسان للمقهورين والمظلومين والمحتاجين والنازحين من كل الشعوب كيفما كانت جنسياتهم وعقيدتهم ، وخصوصا إذا تعلق الأمر بشعب عربي مسلم سوري يتعرض منذ ثلات سنوات لكل أنواع التشريد والتهجير والإبادة .
لكن مايقع بالحدود المغربية الجزائرية منذ مدة يترجم بجلاء الخبث الكبير الذي تواجه به طغمة الحكام الجزائريين الأسر والاطفال والنساء السوريات ،واستغلت مأساتهم ورمت بهم ضدا على كل الأعراف الدولية والأخلاق الإنسانية على مشارف الحدود المغربية انتقاما مناومنهم في حالة تذكرنا وتعود بنا إلى المأساة الإنسانية التي ارتكبتها السلطات الجزائرية سنة 1975 حينما هجرت أزيد من 40 ألف مغربي ومغربية ورمت بهم إلى الحدود حيث كانوا يعيشون على أرض الجزائر منذ عشرات السنينن وجردتهم من كل أمتعتهم ومدخراتهم وعقاراتهم وأموالهم وزوجاتهم وأولادهم وتركتهم يواجهون أبشع جريمة في حق الإنسانية، لكنهم رغم معاناتهم، وقهر وظلم السلطات الجزائرية وجدوا في وطنهم المغرب، الحضن والدفء ،وكل أنواع الرعاية، وانصهروا بكل كبرياء في الحياة رغم مرارة التهجير اللاإنساني الذي تعرضوا له ،، وبنفس الحنان والرعاية إستقبل المغاربة أجمعين مؤخرا العائلات السورية والأطفال الرضع، واستطاعوا بدورهم أن يندمجوا في وطنهم الثاني، وأن يجدوا مساحات من الحب والمساندة والرعاية من كل أفراد الشعب المغربي بعد ما قاسوا من المعاملات اللا إنسانية لجنرات وحكام الجزائر الطغاة الذين لطالما رفعوا شعارات القومية العربية والتحرير والمساندة لكل الشعوب المقهورة، والتي تنظاف سلوكاتهم الإجرامية إلى جحيم القصف والتنكيل والقتل الذي تعرفه الشقيقة سوريا،
إن مأساة طرد العائلات المغربية قبل أربعين سنة، وطرد السوريين من الجزائر ليبرهن للعالم وللإنسانية جمعاء مدى الجبروت والقهر والظلم والسياسة المستبدة التي يحكم بها هؤلاء الجنرالات الشعب الجزائري المعروف بطيبوبته ورجولته وشهامته، وكذلك مدى الحقد الدفين والسادي الذي تفرزه وتنهجه قلوب الحجر للطغمة العسكرية ، وفي انتظار أن يقول الشعب الشقيق الجزائري كلمته، ويعبر عن رفضه للظلم والطغيان، وإنها لآتية في القريب العاجل لينظاف حكم النظام العسكري الجزائري إلى ركامات الظالمين في مزبلة التاريخ نقول لكل المهجرين والمعذبين والمقهورين من الشعب السوري العزيز مرحبا بكم في بلدكم الثاني فالوطن يسع للجميع.

,