قربال يكتب: مظاهر الفكر الإصلاحي عند عبد الله بها

بتاريخ 20 ديسمبر, 2014 - بقلم أسراك24

نورالدين قربال

 

بعد مرحلة الشبيبة الإسلامية ساهم الرجل في الانتقال من السرية إلى العلانية رفقة الأخ عبد الاله بن كيران وزملائه. وكانت مراجعة فكرية قوية. وبعد مرحلة الجماعة الإسلامية شارك رحمه الله في بلورة منظومة فكرية تؤطر تيار الإصلاح والتجديد. وكونه من دعاة الوحدة لعب أدوارا أساسية في رسم معالم الوحدة بين رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد. اللذين أسسا حركة التوحيد والإصلاح التي ترأسها الشيخ أحمد الريسوني.
لقد أسس لفكرة التعاون على الخير مع الغير. التي اعتبرت فتحا فكريا عاليا في مجال التواصل والقبول بالتعددية والتدافع الفكري بناء على روح الأخوة والإنسانية. وقاعدة أساسية للحوارمراعيا احترام التخصص لذلك فصل بين العمل الدعوي والسياسي من حيث الأجرأة والمنهج. اشتغل مع الرعيل الأول من المجاهدين وعلى رأسهم الراحلين عبد الكريم الخطيب وبنعبدالله الوكوتي رحمهما الله عندما، انضم جزء من الحركة الإسلامية بالمغرب إلى الحركة الشعبية الدستورية الديمقرا طية الذين خبروا السياسة والأخلاق والوطنية وثوابت الأمة وغيرها من المفاهيم.
أصل لفكر الحوار ونبذ العنف والتفرقة من خلال بناء مفاهيمي يعتمد على قواعد كثيرة أهمها: الرأي حر والقرار ملزم-الإصلاح في ظل الاستقرار-الإصلاح وليس السلطة…وهذه فكرة متقدمة باعتبار أن السلطة ليست هي قمة الهرم فقط وإنما هي كذلك توزيع عادل للقيم الديمقراطية ومرد هذه الفتوحات الفكرية للراحل عبد الله بها أمران: أولهما مرتبط بأخلاقه العالية نحو الإيمان بالله والتقوى والطيبوبة والتواضع والبساطة والسكينة والزهد وتعلقه بالآخرة وقلة الكلام وكثرة الاعتبار والسداد في الرأي والتبصر والحكمة والتضحية والالتزام بالمشروع والاعتدال والوسطية وغيرها من الأخلاق العالية والنبيلة.
وثانيهما المراجع التي كان يمتحن معرفته منها وهي الثقافة الإسلامية والسير والتاريخ والتجربة الدعوية والسياسية. والخبرة الميدانية والمغربة والثقافة الوطنية والمعاصرة .اضافة إلى تكوينه العلمي الذي له علاقة بعالم الفلاحة ورحم الله الحسن الثاني الذي كان دوما يشبه السياسة بالفلاحة. وكان الكاتب اللبناني جبران خليل جبران يردد دوما بأن الطبيعة التي تبتسم في الربيع وتضحك في الصيف لابد أن تتفوه خريفا وتبكي شتاء..
لذلك ظلت ثلاثية الدين والديمقراطية والانفتاح تتحكم في كثير من مواقفه.
باعتبار أن الدين يؤطر الوجود والمصير والغايات من الأقوال والأفعال. لكن عندما يفتقر إلى الشورى والديمقراطية يتحول إلى ديكتاتورية. وكذا افتقار الديمقراطية إلى القيم الدينية تتحول إلى صراع. أما الانفتاح فهو الملاذ لترك مساحة التواصل والتفاهم وضرب القطيعة. واعتبر الصراع طريقا للفشل. رجل بمثل هذه الصفات لايمكن أن يكون إلا مجددا. والتجديد عنده هو التوحيد والرسالية واحترام التخصص والفاعلية
وانعدام الفاعلية عند المرحوم مرتبط بالخوف من الفشل ولوم الآخرين والتطلع إلى الكمال. وبعد العمل يلزم التقويم لكن بأي مقياس؟ يجيب الراحل بمنطق الإصلاح وليس بمعيار الثورة
إن التغيير الذي ينشده ذو طبيعة كيميائية كما ورد في بعض التحاليل وليس ميكانيكيا.والزمن جزء من العلاج
هذا الإصلاح الذي ينشده يركز على “المعقول” بلغة العبقرية المغربية انطلاقا من الصدق والنزاهة والواقعية والحرية والتعاون والتضامن والإخلاص.
الإصلاح يعتمد منهجا تربويا قوامه بالنسبة للراحل عبد الله بها ثلاثة عناصر: الكرامة باعتبار أن الإنسان مكرم أصلا. ثم الحرية وأخيرا المسؤولية. ومن أهم العناوين الكبرى لمنظومة الإصلاح ثوابت الأمة وحب الوطن. والصدق والصبر والتدرج. الإسلام والملكية وحكم الشعب نفسه بنفسه
ومن أجل إعطاء القدوة في مجال الإصلاح كان يقول: لانستفز ولا نستفز. لانخادع ولا نناور بل نقوم بواجبنا بصدق. وأنا لا أسأل المسؤولية ولا أتطلع إليها لكن لا أعتذر عن عدم قبولها إذا كلفت بها.
واعتبر أن سر نجاح التجمعات هو الثقة بين أفرادها. والمدخل لهذه الثقة هو الاحترام والتقدير
وعندما وقع الانقلاب الأخير بمصر قال قولته المشهورة: لقد تركوا خصومهم لأعدائهم
ومن فضائله على الدستور المغربي ما يلي:
-صاحب المبادرة التشريعية الشعبية أي ملتمسات في مجال التشريع كما ورد في الدستور.
-الحق في الحياة لكل إنسان بدل الحق في الحياة لكل كائن بشري-العلماء يعينون ولا ينتخبون
-مجلس الدولة بدل مجلس الوزراء لكن لم يقبل هذا الاقتراحومن الثوابت التي دافع عنها الإسلام لأنه يوحد المغاربة، والملكية لأنها تجمع بينهم والحرية خاصة في مجال التدبير
وقد حضر الراحل ورقة سياسية عرضت على مجلس الشورى لحركة الإصلاح والتجديد سنة 1988. وأثارت نقاشا حول الموقف من النظام الملكي. ومن أجل الخروج من هذه الأزمة طلب من الجميع التصويت على روح الورقة بدل التفاصيل. وبعد ذلك أصبحت معتمدة بالنسبة للإصلاح والتجديد انطلاقا من التعاون والمشاركة والإصلاح.
ومن أقواله الراقية: الرأي يواجه بالراي. واحترام الرئيس في كل معروف. والموقف من التطبيع سياسي وليس عقديا
لذلك رفض حقيبة وزير الدولة بدون التصويت عليه من قبل اللجنة التي انتخبها الحزب من أجل التصويت على وزراء العدالة والتنمية
ومن تواضعه وترشيدا لمالية الدولة لم يكن للراحل ديوانا ولا كاتبة. وإنما يعمل مع رفيق دربه رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية معا، وكلما وصل هذا الأخير إلى مقر الرئاسة سأل على الراحل عبد الله بها. وعندما استقبل وفدا فرنسيا أراد أن يستثمر بالمغرب عقب رئيس الوفد بأن الأمل كبير للاستثمار بالمغرب لأن هذا الوزير من أصحاب “المعقول” ونطقها بالدارجة المغربية لأنه حفظها من الراحل رحمه الله.
وقد أكد رئيس ديوان رئيس الحكومة الأخ جامع المعتصم بأن الأخ عبد الله بها أعطى دلالة عميقة لمصطلح وزير الدولة. حيث كانت تحال عليه القضايا الكبرى من أجل إيجاد حل لها. كان يستعين به مجموعة من الوزراء في التغلب على بعض الإشكالات. لذلك الكل يذكره بخير وبتقدير وباحترام وعندما تم اعتقال الأستاذ ابن كيران قديما قرر مغادرة البلاد. لكن الحكيم رحمه الله خاطبه بقوله: إذا غادرت المغرب وإذا اعتزلت العمل الدعوي والسياسي فإنك تساعد خصومك على الوصول إلى أهدافهم
لذلك فهو رافض للصراع مع اليسار منذ القدم. ويدعو إلى وجود أحزاب قوية. ويؤكد على أن المعلومات إذا كانت خاطئة من الواجب تصحيحها ولكن لايمكن للهيآت أن ترد على الرأي مهما كان متحاملا. إنها القمة في التسامح
ويؤكد على أن من صنع مشكلة فعليه حلها. واعتبر أن التفرقة داخل التجمعات مرتبطة بفقدان الثقة بين أعضائهاوإني أثمن من هذا المنبر القرار الذي اتخذته حركة التوحيد والإصلاح في جمع كل منتوجات الراحل المكتوبة والمسموعة والمرئية. أنذاك سنفاجأ بالعمق في التحليل والسداد في الرأي. وسنكون أمام مدرسة حقيقية في العلم والسياسة والأخلاق.

,