وهبي يكتب .. مغرب 2021 الجزء «2»

بتاريخ 17 يوليو, 2019 - بقلم أسراك 24


رصيد الديمقراطية الحقيقي ليس في صناديق الانتخابات فحسب، بل في وعي الناس) جون جاك روسو//

أثار موضوع مقالي السابق تحت عنوان: “مغرب 2021″، نقاشا مختلفا بيني وبين بعض الأصدقاء، فمنهم من لامني واعتبر أن محطة 2021 مجرد محطة انتخابية أخرى عادية مثل غيرها وقد حملتها ما لم تحتمل، وآخرون اعتبروا أن النقاش حولها مجرد ترف فكري، في حين جزء آخر اتفق ضمنيا مع مضمون المقال، وأكد أن هذه المحطة لن تكون عادية، بل هي حقبة تاريخية مفصلية تلوح في الأفق، وستطرح مصاعب جمة على مؤسسات الدولة، وهي تدير الشأن العام خلال حقبة (2021 -2026). لذلك، يمكن التأكيد من جديد، على أن مختلف الوقائع والمعطيات الظاهرة، تشير إلى أنه من الصعب اعتبارها محطة انتخابية عادية، وفي الوقت عينه من الصعب، كذلك، أن يطلق الحبل على عواهنه، فهي تفرض علينا القيام بنوع من التقدير السياسي العقلاني للوضع العام داخل المغرب وخارجه. وفي هذا السياق تفرض علينا محطة 2021 طرح الأسئلة التالية: هل وضعنا الاقتصادي من اليوم إلى 2021، سيكون في منأى عن التقلبات العالمية والإقليمية؟ أو بعبارة أخرى هل سيكون اقتصادنا محميا من تأثير الأزمات الدولية؟ وهل التحولات التي تعيشها العديد من دول العالم (إيران، الجزائر، السودان، موريتانيا، وغيرها) لا تعنينا؟ وهل ستكون قضايانا الاستراتيجية غير معنية بالتحولات التي يعيشها النظام العالمي الجديد في ظل نقاش الولاية الثانية للرئيس الأمريكي الحالي؟ وهل نحن في منأى عن نتائج الصراع بين الثنائية القطبية الجديدة (الصين أمريكا)؟ وكيف سنقارب ملفاتنا الاقتصادية والدبلوماسية في ظل تذبذب علاقاتنا الخليجية وما تعرفه من مواجهات ومصالحات؟ وغيرها من القضايا الدولية؟ أعتقد أن كل هذه الإرهاصات ستؤثر لا محالة على مستقبلنا لما بعد 2021، لأننا بلد منفتح، واقتصادنا وثقافتنا، كذلك، فنحن منفتحون على العالم، نؤثر فيه ونتأثر به.

أما على المستوى الداخلي، فأعتقد أن التحولات الداخلية المتسارعة على العديد من الواجهات، مثل ارتفاع معدلات البطالة، ضعف الاستثمار الداخلي والخارجي، محدودية نسب النمو، التقلبات المناخية، بالإضافة إلى ضعف إنتاجية الدولة أمام ثقل الديون على الاقتصاد الوطني، أضف إلى ذلك تطور الوعي الاجتماعي والسياسي للمواطنين المغاربة، ورغبتهم في العيش الكريم، وانتشار فكر وثقافة مسائلة الدولة والمؤسسات، كلها تطورات اجتماعية متصاعدة تفرض ضغوطها علينا جميعا، كما على القرار السياسي للبلاد. إن كل هذه الضغوط، الخارجية والداخلية، سيزداد ثقلها أكثر في ظل تطور وليونة ولوج وسائل التواصل الاجتماعي، وبلوغها قمم الجبال والمناطق النائية، مما خلق ذلك الانفلات في القدرة على التأثير في المواطنين، وهي عوامل تجعل من محطة 2021 محطة مفصلية في تاريخ بلادنا، تؤشر على انطلاق مواجهة حقيقية لكل هذه التحديات التي أشرنا إليها.

ولأن القضايا أكثر تشعبا، ومطالب المواطنين أكثر إلحاحا، فإن هذا الوضع يفرض علينا ضرورة التعاطي مع محطة 2021 بنوع من الحوار الشجاع والواضح، لخلق رؤية وطنية مشتركة، تتجه بنا جماعيا نحو إيجاد حلول، أو على الأقل بلورة تصورات مشتركة للخروج من مأزق الملفات التي تتراكم من ماضيه إلى حينه. إن هذه الأوضاع تفرض على الأحزاب كذلك أن تتفرع عن ذاتيتها المفرطة، نحو الانفتاح على الجميع، لتأطير واستقطاب الشباب والكفاءات الوطنية أولا، وثانيا لفتح نقاشات وخلق توافقات حول الملفات الجوهرية، وبالتالي، إعادة تقوية دور الدولة اقتصاديا وإداريا مما سيسمح باستيعاب كل هذا النقاش السياسي.

إن الديمقراطية لا تكمن دائما في المواجهة، ولا تتلخص في نتائج الانتخابات، بل تستند أساسا على الحوار وعلى الحد الأدنى من التوافقات، لاسيما أمام الملفات والقضايا الكبرى، باعتبارها خيارا سليما للحفاظ على وحدة الدولة، ومساعدتها في الخروج من مآزقها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لذلك، فمحطة 2021 لا يجب أن تكون محطة انتخابية فقط، بل يجب أن تكون انعراجا أساسيا نحو بناء حركية سياسية حقيقية، تساعد في بناء مؤسسات الدولة على أسس قوية، وتساعدها في تلبية حاجيات ومطالب مواطنيها، لاسيما الشباب منهم، هؤلاء الذي كان عمر الكثير منهم، لا يتجاوز العقد الأول حين دخلنا تموجات 2011، وصار اليوم لهم حق التصويت، ولا تهمهم معرفة القيادات السابقة، ولا تاريخها النضالي، فقط تهمهم مطالبتهم بحقوقهم، وبظروف عيش لا تقل كرامة على أقرانهم في دول أخرى، يطلون عليها ويتفاعلون معها عبر شاشات هواتفهم المحمولة، وما على رجال الدولة والسياسيين اليوم، إلا ربط هؤلاء الشباب بوطنهم وبقضاياه نفسيا وفكريا، وحمايتهم. فالمغرب قوي بأبنائه، أما الباقي، فكلها مجرد ملفات.

,