وهبي يكتب : كوهلر الصحراء

بتاريخ 29 مايو, 2019 - بقلم أسراك 24

“حتى أعظم حيتان البحر ليس لديها أي قوة في الصحراء” كونفوشيوس //

أعلن كوهلر عن استقالته من تدبير مفاوضات ملف الصحراء المغربية، كما سبق لغيره من الوسطاء الأمميين السابقين، ذلك أن الصحراء ملف معقد وعنيد، تختلط فيه تموجات التاريخ وصمود الجغرافيا وتتقاطع فيه المصالح، لذلك يصعب إيجاد حل دون المرور على شفرة حادة.

لماذا إذن، أعلن كوهلر استقالته؟ وهل حقا الوضع الصحي هو السبب الرئيس؟ وإذا كان كذلك، فلماذا تأخر هذا القرار؟ ثم لماذا فضل كوهلر الاستقالة من ملف الصحراء بدل إعلان الفشل، وهو صاحب التربية الدينية، الحامل لمشاعر تجربة اللجوء وشهادة آلام الحرب، وعبء المعاناة الحقيقية قبل الوصول إلى موقع رئيس دولة؟

إن رؤساء الدول لا يقبلون الفشل إلا بتطويع من خلال المرض أو أشياء أخرى، وكوهلر شخصية ذات مراس صعب، عانى من عدم وجود رؤية جريئة للأمم المتحدة في ملف الصحراء الذي ظل في دهاليزها يراوح مكانه، أو على الأقل رؤية واضحة للأمور، ثم عانى بسبب اختلاف مصالح وحسابات ومواقع الأطراف، وعانى كذلك بسبب تباين الرؤى بين السياسي المغرب والعسكري الجزائر.

فالجزائر مثلا لم تكن دولة إلا بعد الاستقلال، وحين حصلت على استقلالها، انتقلت السلطة بها إلى يد الجيش، وأصبح الجهاز الإداري كله وسيلة في يد نظام عسكري، في حين أن النظام السياسي في المغرب مختلف. إذ بُني على ملكية منفتحة، حيث كان الحسن الثاني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي يبني دولة مغربية حديثة بمؤسساتها وأجهزتها، بدءا بالعهد الملكي، إلى دستور 1962 ودستور 1970، وصولا إلى خلق الأجهزة وبناء المؤسسات الدستورية، السياسية والمدنية والثقافية، كما العسكرية. قد تكون على مقاسه، ولكن في آخر المطاف هي مؤسسات دولة، قَبِل بالصراع في مجال السياسة، حين رحب بالمعارضة كقوة سياسية، تارة يقمعها، وتارة أخرى، يغض الطرف عنها، بينما كان الجيش في الجزائر يقبض بقوة النار على كل مفاصل السلطة، وإلى يومنا هذا مازال الخلاف مع الجيش، لذلك من الصعب أن ينجح الحوار بين دولة مدنية سياسية في المغرب لها جيشها، وبين جهاز عسكري في الجزائر له دولته.

ويبدو أن كوهلر أصبح مدركا لهذه الصعوبات، بل فهم جيدا أن لموريتانيا وجبهة البوليساريو دور محدود في هذا الحوار غير المتكافئ، لذلك كان عليه أن يُخرِج المفاوضات من المجال الرباعي “المغرب، الجزائر، موريتانيا والبوليساريو”، إلى المجال الثنائي المباشر “المغرب والجزائر”، وآنذاك، يبحث عن لغة الحوار بين المدنيين في المغرب والعسكريين في الجزائر.

ولكي نكون صريحين وواضحين، نقول إن الجزائر التي تختفي وراء جبهة البوليساريو، هي الطرف الحقيقي في مواجهة المغرب، فهي تتعامل مع قضية الصحراء بعقلية عسكرية لخدمة أهداف جيواستراتيجية مرتبطة بتصفية حسابات تاريخية أو امتدادات جغرافية للمحيط الأطلسي، وأما موريتانيا، فقد ظلت تسبح بين المواقف والمواقع والمفاوضات التي لا تعنيها.

أما المغرب، فظل يتعامل مع قضية الصحراء كموضوع وطني، وقضية إجماع وامتداد طبيعي في التاريخ والجغرافيا والإنسانية، ويتعامل معها كمدخل رئيس لبناء المغرب العربي اقتصاديا وأمنيا ومؤسساتيا، بينما الجزائر تجد في ملف الصحراء وسيلة لتلبية رغبة الهيمنة، وللحد من قوة المغرب جغرافيا، وتطويقه شرقا وجنوبا على شاكلة البرتغال، والحد من دوره في المغرب العربي، بل تحجيمه دوليا ودبلوماسيا بقوة البترول والدولار.  لذلك، وجد كوهلر نفسه أمام هذا الخليط الذي لا يمكن معالجته باتفاق فريد، لكون الدبلوماسي والسياسي عموما، يرى في الاتفاقات والتنازلات عملية سياسية طبيعية، بينما يرى العسكري في التوافقات هزائم عسكرية حتى ولو تمت بشكل سلمي، لاشتغاله بمنطق إما الاستسلام أو الانتصار، عكس منطق المغرب “عطاء وأخذ”، وهذان المنطقان مختلفان، لذلك وُضع كوهلر أمام سؤال حارق، إذ كيف له وهو السياسي المعتز بألمانيته، الذي تربى في أحضان الكنيسة، المنتمي إلى دولة تمنحها قوتها الاقتصادية نوعا من الثقافة السياسية المستقلة، أن يتعامل مع كل هذا الخليط؟

في الحقيقة، لقد اشتبكت أمامه الخيوط، تارة تجد منطلقاتها في أمريكا، قبل أن تنتهي في فرنسا، وتارة أخرى تتحول من جنوب إفريقيا لتجد نهايتها في العالم العربي، وأخيرا في الخليج. أمام كل ذلك شعر كوهلر بأنه يضيع الكثير من الوقت والجهد، وفي آخر المطاف سيجد أن كل ما فعله، هو المزيد من تعقيد هذا الملف.

لذلك تجد أن كل الوسطاء الأمميين ضيّعوا الكثير من الوقت فقط، ليستوعبوا الخلاف، وحينما يكتشفون أنه وهمي، يستقيلون، لذلك مهما استهلكت قضية الصحراء من وقت، ومن وسطاء سابقين، وآخرين لاحقين، فستظل قضية وهمية، عصية الفهم على الآخر، أما بالنسبة إلى المغرب، فهو على الأرض، يملك التاريخ ويسير فوق الجغرافيا بخطى ثابتة، على عكس من يغرق في تفاصيل خطط سياسية، لكن بعقلية عسكرية

,