وهبي يكتب : عشق السياسة

بتاريخ 25 يناير, 2019 - بقلم أسراك 24

(عندما أعشقك خد حذرك مني)  من مسرحية أوبرا كارمن

حينما يدخل الإنسان عالم السياسة، فحتما يفقد السيطرة على مصيره، إن لم أقل على قراره، أحيانا يضرب أخماسا في أسداس ليتموقف من واقعة ما أو قضية ملحة تفرض نفسها في عالم السياسة، ولضغوط هذه الأخيرة يجد نفسه في تناقض مع ما يؤمن به، كأنه نوع من الجبن.

فبحكم طبيعة الأشياء لا يمكن للسياسي أن يصمت، بل عليه أن يتحدث مع الناس، لأنه يدبر شؤونهم ومصالحهم، وحينما يتكلم، عليه الإدراك أن غموض كلامه قد يفسر ضده، و عليه، يجب أن يكون واضحا في خطابه، صريحا في قناعاته، وهذه هي الشجاعة، وإلا فقد البوصلة، ومن تم قد ينحرف عن الصدق مع نفسه أو مع الآخر، وهكذا تتحول مواقفه إلى بيع للمتلاشيات.

إن ما بلغته الممارسة السياسية ببلادنا من انحطاط، يجعلك وأنت تنظر حولك لا تجد في حقيقة الأمر سوى بياعي المتلاشيات من السياسة، في حين أن هذه الأخيرة “أي السياسة” باتت تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الكثير من المتغيرات التي قد تعيدها إلى وهجها وصميم اهتمام المواطنين، وأولها خطاب الوضوح والصراحة والإبداع، ليتحول مجال السياسة إلى فعل جذاب، وليس منفر كما يقع اليوم، حيث عالم السياسة وكأنه يتحكم فيه الأغبياء، أولائك الذين لا تهمهم إلا المواقع رغم أنها في عمقها هي مواقع صغيرة بصغر قيمة محتليها، الذين بسلوكهم هذا تحولوا إلى نوع من الباعة الجائلين للمتلاشيات الفكرية، بدون عنوان ولا يؤدون ضرائب التفكير، فقط يبيعون بضاعة رخيصة هي خليط من المخططات الرديئة والمؤامرات لكسب مصالح فئوية ضيقة.

ولأن السياسة علم نبيل في إدارة شؤون المواطنين ورعاية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم، فإنها تحتاج إلى ساسة حقيقيين، واضحين في الخطاب، صادقين في المواقف والممارسات، حتى لا يفقدوا للسياسة معناها النبيل وغايتها الراقية وقيمتها الحقيقية.

فالسياسة تفكير عام، وتدبير قريب من المصلحة العامة، تسعى إلى تحقيق تقدم البلاد و تحسين وضعية المواطنين، وهذا ما يجعلنا نجزم أن أزمة التنمية في الحقيقة لم تعد نتيجة هشاشة الاقتصاد فقط، بل كذلك بسبب الفكر والسياسة المنحطين الذين فقدا قيمتهما الحقيقية، وكأن المفكر المغربي الدكتور جسوس يكرر قولته الشهيرة “إنهم يريدون خلق جيل من الضباع” ربما عن جهل أو بإرادة.

إن ما بلغته السياسة ببلادنا من ضحالة هي مسؤوليتنا جميعا، فالوطن لا يحتاج لأرقام اقتصادية مطمئنة، أو حتى الإعلان عن قرارات إدارية جريئة، بل يحتاج إلى مواقف سياسية صادقة، وإلى تفكير عميق في بناء الإنسان المغربي، كما يحتاج كذلك إلى نقاش مسؤول نابع من إلمام بقضايانا الوطنية.

إن ما يلاحظه كثيرون اليوم هو أن السياسة عندنا دخلت عالم التصفيات اللاأخلاقية، والكلام الذي لا يليق، وشغلت المواطنين بأتفه الأشياء، في الوقت الذي يتحرك العالم من حولنا بسرعة فائقة نحو الأفضل، نحو الأذكى، نحو بناء المستقبل الأفضل، ونحن لا زلنا غارقين في ممارسة السياسة من زاويتها المتسخة، فغريب أن لا نفهم بعد، أن السياسة الدنيئة عندما تغازل شخصا ما فهي تسعى لتلتهمه، فحذار من هذا الصنف من السياسة، وليبحث الإنسان على خلاصه من خلال وضع حدود أخلاقية لسياسته، ولفكره، وإلا أصبح جزء من المتلاشيات تهمل على جانب الرصيف السياسي.

إن السياسي الذي يسعى إلى خلق الضباع، عليه أن يدرك جيدا أنها في آخر المطاف هي من ستلتهمه، لذلك حذاري أن نسقط في عشق ضباع السياسة.

,