هل أصبح الإسلام مهنة من لا مهنة له ؟

بتاريخ 22 نوفمبر, 2015 - بقلم أسراك 24

محسن الاكرمين

أسراك24 / بقلم ذ محسن الأكرمين /

مهنة من لا مهنة له هي الظاهرة الحديثة المتطفلة على حقل التدين الإسلامي ، إنها مهنة “رجال الدين” المتأسلمين الجدد . والتي جعلت من الدين الإسلامي حقلا مباحا لحرفة حرة تمتهن بحجية التمثيلية الشرعية الثورية.
مهنة من لا مهنة له!! هل يمكن أن نعترف اليوم بظهور أفراد يمتهنون الإسلام كحرفة قائمة بذاتها ويمارسونها ؟ الجواب عن هذا السؤال يحيلنا إلى وضع مسلمات قطعية لا محيد عنها بالاتفاق، وإجماع الرأي حولها . وهي أولا سمو الدين عن الخلافات السياسية والمذهبية الجانبية اللاحقة به . فيما العنصر الثاني يرتكز على عدم إلصاق كل أثر للممارسات غير السوية بإسم الإسلام والدين . ثالثا اعتبار الإسلام دينا للتسامح (لا إكراه في الدين ) سورة البقرة الآية 256 .
فالإمتهان الديني – (المهننة الدينية ) – الذي طفت كفته حديثا بالبروز الملحوظ ، له مرجعياته الوظيفية من حيث علو نجم مصطلح الإسلام السياسي إلى الواجهة باعتبار أن الإسلام نظام سياسي متناسق… ولتوسيع المفهوم بالتوضيح فإن ممتهني حرفة “رجل الدين ” يعتقدون أن الإسلام السياسي هو إيمان أولي بالنظرة الشمولية المطلقة للإسلام ، وبالمعنى الأدق والشامل يصلح لبناء مؤسسات الدولة .
فالعلة السببية لظهور مهنة ” رجل الدين ” لم تنضج على نار متقدة بالسرعة ، بل كانت حتمية تاريخية لدخان نيران تشتعل هنا وهناك غير ما مرة. من تم كان الاستهداف الملح يقوم على الحاجة إلى إنتاج تنظير لبناء دولة دينية / ثيوقراطية ، وهو المتسع بمضمون الرخصة الذي ابتدعه محترفوا مهنة الدين (كقضية) ، وهي كذلك من سرع بظهور سلطة مهنة ” رجال الدين ” كمهنة من لا مهنة له .
لا نقصد في توصيفنا لهذه المهنة المستجدة مقصد التساوي بينها وبين الفقيه أو عالم الأصول ، بل نرمي بها إلى البوابات المطلة علينا عبر الفكر النهضوي وما شابهه من تيارات متداخلة مرة ومتباينة مرات أخرى .وكذلك بين “الدكاكين الحديثة ” للقنوات التلفزية غير المشفرة بالفتاوى المتنوعة التي تتساقط علينا كالبرد من سماء مشارق الأرض ومغاربها ، والتي أتلفت أسناد المذاهب السنية الأربعة (المالكي، الحنفي، الشافعي، الحنبلي) وألبستها ثوبا حريريا من فكر المدرسة الوهابية ، وما لحق ذلك من تنظيرات وتنطيعات للفرق الشيعية المتحركة بالنفعية .
الأسباب الكامنة وراء بروز امتهان (رجل الدين) تتعدد تشعبات مرجعياتها الداخلية والخارجية . في حين أن الدينامو الأولي لمحرك هذه المهنة يتوزع مابين النفسي /الذاتي ، والثقافي / التربوي، وبين ما هو اجتماعي /سياسي / اقتصادي .
فالإختلالات التي تعرفها وعرفتها الظواهر الاجتماعية في الدول الإسلامية عموما هي الموزع الأساسي الذي نقل فطرية الاعتقاد الديني بالإيمان والإتيان بالأركان إلى اعتلاء منصة الخطابة والدعوة والإفتاء بحجم التخصص بمهنة ” رجال الدين ” . هنا نتساءل ،كيف أمكن التحول من عمامة الفقيه الرسمي “التقليدي” إلى مهنة قصر اللباس الأفغاني ” كرجل الدين ” من المتأسلمين ؟ .
إنها ردة موازية لفعل التحدي الذي فرضه الغرب بالقوة. إنه الأثر السلبي للقهر الذي يمارسه الغرب باختلاف تشكيلاته الجغرافية بالحيف والتمييز تجاه الدين الإسلامي وحامليه . إنها الحرب الصليبية الحديثة والتي خيوط لعبها خبره المستشرقون وأفاضوا الربح في رقعته بالسيطرة وتدجين الشعوب . إنها مهنة امتهان التعصب كحرفة تحتكر التأويل الديني بمنتهى التكفير ، وتفتعل الحرب المفتوحة في معارك صراعات التيارات المتنافسة على الشرعية التمثيلية الدينية . إنها حرفة المدنس بعقلية الدين الاجتماعي (بمعنى الدين المتعارف عليه اجتماعيا) فيما الدين المعياري فنصوصه القطعية يتم استحضارها عنوة بالتأويل المشوه لتسويغ الأعمال والأفعال بالمعقولية والمرجعية ، وحشد الأتباع والمريدين ولو باستغلال أميتهم الأبجدية والدينية .
وحري بنا أن نقر بأن مهنة ” رجل الدين ” تستند على حدود الجمود الفكري – (البراغماتي)- كخطاب إيديولوجي ، دون إعطاء السلطة التامة لحركية حرية التعبير السلمي ، والتعبير المضاد بضمان جاذبية العقل . من تم فإن تأصل الفعل التعصبي (الدوغمائي) كعادة ومعطى مسلم به ، لا يستوجب لا نقاشا ،ولا جدالا ، ولا رفضا ما دامت مسألة إنتاج الفكر والتفكير تصل إلى رتبة الموازنة مع المقدس… وهذه هي المتوالية الخاطئة منذ بدء الإستناد عليها .
تحرك إنتاجية تربة شتائل مهنة (رجل الدين ) كحرف يزيد بالإتساع لمن لا مهنة له . الأسباب كثيرة، ولا يمكن حصرها بين التحولات الداخلية والعالمية ،أوالاكراهات السياسية الضاغطة ، أو الإخفاق في التنمية . وإنما سؤالنا لا يستهدف مرجعيات (الظهور) كروافد تاريخية للظاهرة ، بل السؤال الأسلم لدينا هو،هل هذه الظاهرة سوية أم لا ؟
هنا قد لا نختلف بيننا في الجواب بقطعية الرفض للظاهرة ، قياسا بأن الإسلام لا يحتمل تموقع تواجد الحواريين بيننا . فالإسلام لم ير في الرهبانية إلا بدعة ابتدعوها … من تم كانت مقاصد الشريعة طيعة المأخذ من أفواه فقهاء الدين وعلماء الأصول . ولنا في المنتوج الثقافي الفقهي خير الدليل ،حتى إذا جاز لنا أن نسمي الثقافة العربية الإسلامية بأحد منتجاتها الأوفر فإنه يحق لدينا القول بأنها ثقافة فقه .
الحيلولة دون تزكية النفس ضد النفس الإنسانية بالقتل والإرهاب ، هو المطلب الذي ندفع به إلى رفض كل من احترف مهنة ( رجل الدين) .هذا الرفض فيه سد للذرائع ، وهو الأصل التشريعي الذي ينفرد به المذهب المالكي ، ويقوم على أساس أن الشارع ما شرع أحكامه إلا لتحقيق مقاصدها من جلب المصالح ودرء المفاسد . من تم فالتحريف في الأحكام لغير ما شرعت له ،ويراد بها خلاف مقاصد الشريعة الحقيقية . فإن الشرع لا يقر إفساد أحكامه وتعطيل مقاصده ، وهو القول الذي يزكي مذهبنا إلى رفض كل ممتهن “رجل دين ” من المتأسلمين داعيين إلى العنف والقتل .

ذ محسن الأكرمين/مكناس : mohsineelak@gmail.com

,