مصطفى المتوكل يكتب عن “الفتنة”

بتاريخ 6 يوليو, 2017 - بقلم أسراك 24

أسراك24 /

يقول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم (واتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) سورة الانفال

قال تعالى  (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)  سورة الانفال

الفتنة في اللغة  الابتلاء ، والاختبار , والامتحان …ويقال فتنته اي شغلته و ألهيته …و هي تكون  بالفرح والحزن والمال والاهل والولد والحرب والامن  والصراع والحياة والموت …الخ

والله يختبر ويبتلي الناس يقول تعالى : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) سورة الانعام …وقوله : ( لنبلوكم ايكم احسن عملا ) سورة الملك .

ان ظلم الفرد لنفسه فتنة له ولاسرته ولمحيطة الخاص ..وظلم الغني للفقير فتنة ..وطلم المشغل للاجير فتنة ..وعدم القدرة على التغلب على الصعاب والمعيقات فتنة ..وعدم الاستجابة  لمتطلبات وحاجيات وضرورات الحياة بالنسبة للفرد او المؤسسات الرسمية والمدنية فتنة ..والجهل والامية باب من ابواب الفتنة ..والتطرف والتعصب في توظيف وتاويل وفهم الدين والايديولوجيا فتنة ..

فاذاكان الرسول (ص)  قد قال  “إذا التقى المسلمان بسيفيهما فتقاتلا فالقاتل والمقتول في النار” فكيف بالذين تسببوا في ذلك بتنظيرهم وافكارهم وتطرفهم وكذبهم وحقدهم وتآمرهم ..؟؟.

والفتنة كوصف لظاهرة او احداث او موقف او فعل ما  هي الا عنوان عام واسع يشمل كل مجالات الحياة التي نعلم او ندرك او التي لم يتعرف  عليها الانسان بعد ..

ويختلف تعريف الفتنة باختلاف مرجعيات معلنها وموقعه  بالمجتمع وبالمؤسسات ..فما يعتبر فتنة في ايران ليس هو نفسه بالسعودية …وما يصنف انه فتنة تترتب عليها اثار مختلفة في بلد ما يعتبر في دول اخرى هو عين الديموقراطية وابسط قواعد الحق في الاختلاف والتعبير عن الراي

ويعمل كل واحد على تعريف الفتنة بما يتلاءم مع قناعاته وتوجهاته ونواياه …ومن هنا فكل راي مخالف ولو كان فرديا قد يمنع بالاستناد الى اية قاعدة  من مثلسد الذرائع  “…او “فتح الذرائع ” لتبرير ودعم كل عمل او فكر مخالف لتحقيق ” مصلحة راجحة” او مصلحة عامة “…فمن يرى الاختلاف  والتدافع فتنة يذهب الى المنع والتحريم والعقاب  بعلة عدم ترجيح المفسدة المفترضة ..وهذا مذهب ابن تيمية على سبيل المثال ..

..ومن يرى اباحة “فتح الذرائع” بمبررات متعددة من خلاصتها الجهر بالحق والعمل من اجل رفع الظلم او السعي لتحقيق مصلحة ضرورية معطلة  بفعل سياسة او سلوك اشخاص او جماعات او مسؤولين , وهذا مما ذهب اليه  علماء الحنابلة ..

ان منهجية  تدبير الاختلاف والتعارض  يفترض علميا وديموقراطيا ان تتكامل  بتوافق بين الاطراف التي يتم التعامل بينها   داخل نفس المجتمع  او بين الدول والمؤسسات الرسمية والمجتمعية  …

..فالقاعدة التي بنت عليها الديانات و الحركات الثورية  والاصلاحية عملها هو السعي لاقرار اوضاع احسن ,  ورفع الضرر ة واقرار عدالة  اشمل  كلما تبين  اختلال في التعامل والفهم او تبين عدم صلاحية رأي او توجه  كان معمولا به  منزل منزلة الواجب …لهذا تتغير بشكل نسبي او جذري  الدساتير والقوانين ومناهج التدبير والادارة  و اساليب التربية والتكوين و السياسات العمومية والقطاعية فيصبج الممنوع مباحا والمحظور واجبا ..الخ

ان كل حركة جماهيرية ناضجة وحتى العبثية تفتح نقاشا , وتشحذ عقولا يقظة واعية للانتباه الى ضرورة الاجابة على تساؤلات وشعارات مرحلة بما يضمن المزيد من التحديث والتطوير وتحقيق الافضل  والمصلحة للجميع ,

فالحركات الاحتجاجية التي شهدها  المغرب  بما في ذلك المظاهرات والاعتصامات و الاضرابات العامة سواء في الستينات او السبعينات والثمانينات و.. سماها البعض “فتنةو…” وسماها اصحابها نضالا مشروعا …وافرز الحوار بين الاطراف حلولا وتوافقات واستجابات  لمطالب انعكست  ايجابا ليس فقط لصالح المحتجين بل حتى الذين كانوا ضدها او لايشاركون فيها او ينددون بها ..بل حققت مكتسبات جد هامة للدولة بالداخل وعلى الصعيد العالمي

ان الاهم هو ادراك ان اي تعاقد سياسي في اية دولة ليس وحيا سماويا  مرتبطا بجوهر العقيدة ومرتكزات الاسلام والايمان ..بل هو تعاقد معلن قد يكون مفروضا او متوافقا بشانه تمتد صلاحياته مؤقتا الى حين وقت  ضرورة التعديل او التصحيح او التغيير

ان الافضل هو ان يكون  الناس  مستبصرين بالحق  في طبيعة الواقع واحوال الناس وامورهم  وضرورات العيش واولويات التغيير بدون ان يضطر الناس الى اشهار مطالبهم والاحتجاج من اجلها …وهذا من افضل طرق ضمان التوازن والاستقرار الذي لاضرر فيه ولا ضرار ..وحتى ان حصل احتجاج منضبط ناصح و مطالب بحقوق ومحتج على اوضاع معينة فذلك يؤخذ بمنطق الدين والعقل على انه نصح ونقد وجهر بالحق …وهذا ما اقره شرعنا وتبنته الدول والمجتمعات الديموقراطية المؤمنة بحقوق الانسان في اطار دولة الحق والقانون

ان الاستغلال السياسي للقواعد والاصول الشرعية والتوجهات المذهبية المنغلقة على نفسها الرافضة لغيرها , ولبعض النظريات “الثورية”  , وتوظيف   البعض  منهم لنسق منغلق على نفسه  متحجر في تاويل وتفسير الا خبار , ومتسرع في استصدار مواقف واحكام افتراضية وظنية بعلة الاحتراز واعمال ما جاء في الاثر  “سوء الظن من الحزم ” ,  ومتاثرة بما يطلق عليه نظريات التآمر  ،امر غير سليم ,  اذ النصوص والكلام  الموجه من الخاصة – علماء وساسة …- الى العامة التي تتسم بالتنوع والتعدد  والاختلاف , فما يكون في عرف جماعة منهم مقبولا يكون في ثقافة الاخر مكروها وغير مستساغ ..وتعارض افعال النخب بناه على ميولاتهم وفهمهم مع دلالات وروح النصوص التي تقوم عليها العدالة والكرامة والحرية والمسؤولية المشتركة بقياس مدى انسجامها مع  رغباتها واهوائها ومطامعها  .. تتسبب في اطلاق فتنة التشكيك والتخويف والتخوين بين مكونات المجتمعات  وبين الحكام وبين الدول والثقافات ..كما تتسبب في ضعف الثقة والتواصل من العامة تجاه النخب الحاكمة او المشاركة في مؤسسات الدولة من اجزاب وغيرها ….

ان استغلال الدين لمصالح ضيقة او بغرض التقوي والتحكم وادارة عقول الناس فتنة متعددة النتائج سلبا .. تتوالد منها فتن اخرى يضرب بعضها بعضا كما حصل في زمن الخليفة عثمان وعلي (رضي ) وكما حصل في عصور وازمنة امتدت الى ايامنا هذه تظهر بشكل خطير بالشرق الوسط ومحيطه اتت على الاخضر واليابس وافسدت كل ما بناه الاباء والاجداد بالحضارات المتعاقبة هناك …كما ان سوء استغلال وتوظيف التواصل  المباشر  او بوسائط  الاعلام المحتلفة الذي يعتمد الاثارة المضللة وصب الزيت على النار بأحط الطرق الممنوعة شرعا والمذمومة من العقلاء والتي تكون في حكم النميمة والغيبة  بكل انواعهما في  استصغار وتحقير للوعي العام  وافساد للضمير والوعي ,  وبتمرير لخطاب  ضبابي ظلامي منفتح على الشرور بكل انواعها  تفقد المجتمع لحمته وتكامله وثقته في نفسه ..

ان البعض من  اهل  العلم والدين  و السياسة والمال يفكرون بمنطق واحد ويتقاطعون في العديد من الاستنتاجات والخلاصات ومن ثم الاجراءات العملية  …حيث يتأولون ما يشاؤون من النصوص الشرعية والوضعية  ويضعون اخرى لتحصين مواقعهم وتبرير سياساتهم وتعليل الواقع المخالف للارادات والالتزامات والانتظارات التي يتفق  وينادي بها  الجميع  دون استثناء …ومن هنا يكون التبرير غير مقبول و التعليل غير منطقي  لانه لا يتجاوب مع الانتظارات  المطروحة ,  ولا يقدم الاجابات المقنعة او  المرغوب فيها او حتى المتوافق عليها  في الوقت المناسب وبالشفافية والوضوح المقنع ..وما يتعين  القيام  به لتحقيق الانسجام والتكامل والمصالحة بين الانا والاخر انسان اليوم والغد   ….

ان التجاء النخب السياسية  – من مواقع القرار كانت بالحكومة او المعارضة او بينهما  او الرافضة لاي توافق –   الى صياغة خطاب اتهامي للمخالفين لهم  او المنتقدين لسياساتهم بناء على النتائج  التي لاتتجاوب مع طموحاتهم  , يدفع  كل واحد من  موقعه  الى توظيف  قواعد مثل “المصلحة الراجحة ” والمفسدة المرجوحة ” و” اخفف الضررين ” …الخ

ان عدم استفادتنا من تاريخنا الافريقي والاسلامي و العربي وحتى ما حصل في امم وملل  اخرى من موجات الفتن و التي لكل منها انضارها واعداؤها ,  وكلها  خلفت  اثارا دمرت وعطلت التطور  وسفكت دماء علماء ونوابغ وفقهاء ومصلحين حقيقيين باستغلال الجهل والفقر  وبالتضليل المتعدد الاوجه

من الاسئلة المطروحة ..  اين الوسطية التي يدعيها ويتبناها وينادي بها الجميع ؟؟ واين فلسفة وسياسة القرب والقدرة على  فهم الواقع وتقدير مآلاته وتوقع  نتائجه وفق فرضيات الامكان من عدمه ؟ ..

 عن نافع قال: (قيل لابن عمر رضي الله تعالى عنه ـ زمن ابن الزبير، والخوارج، والخشبية ـ: أتصلي مع هؤلاء، ومع هؤلاء، وبعضهم يقتل بعضاً؟ قال: من قال: حي على الصلاة، أجبته؛ ومن قال: حي على الفلاح، أجبته؛ ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله، قلت: لا. )   “حلية الاولياء .”

قال القرافي :(( اعلم ان الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب ونباح . فان الذريعة هي الوسيلة .فكما ان وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة .. )

 

قال الله تعالى: ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) سورة البقرة

 

تارودانت : الاربعاء 05 يوليوز

,