مصطفى المتوكل يكتب : ضرورة الصدق في النظر والعمل

بتاريخ 14 يونيو, 2017 - بقلم أسراك 24

 أسراك24 /

(*) عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، وَلِسَانَهُ صَادِقًا، وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وَخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وَجَعَلَ أُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ نَاظِرَةً، فَأَمَّا الْأُذُنُ فَقَمِعٌ، وَالْعَيْنُ مُقِرَّةٌ بِمَا يُوعَى الْقَلْبُ، وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ وَاعِيًا.

(*)يقول سفيان الثوري: “ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي؛ إنها تتقلبُ عليّ“.

قال تعالى ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) سورة  ءال عمران

ان الحديث عن الانسان العاقل بطبيعة الحال  يشمل كل ما يصدر عنه  من اقوال وافكار واعمال وافعال ..كما يستخرج منه في اطار الدراسات والتحليل النفسي وفي اطار الرؤية الدينية كيفيات وخلفيات التفكير والقصد اي حقيقة النية صدقا واخلاصا وايمانا ..  أو نفاقا وكذبا ورياء وتحايلا

و يترتب على هذا في الجانب العملي اي الحياة العامة والمشتركة وحتى الخاصة آثار تطال الشان السياسي والاقتصادي والاجتماعي بغية تحرير الانسان وتكريمه  او استغلاله واستعباده .. او اذلاله وتضليله وهذا يكتشف ويعرف  انطلاقا من الممارسات ونتائج الافكار المعلن عنها  والالتزامات ..ومن صدقية او كذب الفرد او الجماعة على انفسهم وعلى الاخرين

كما يترتب عليه في الجانب الديني اثار جد جوهرية تثمن و تعترف بالعمل او تبطله وتسفهه  ولو بدا للناس انه ممتاز او انه كذلك بالفعل ..وذلك في علاقته بالنية التي ان صلحت صلح العمل كله وان فسدت بالرياء والنفاق و…فسد  كل شيئ  كان من العبادات او المعاملات ..

وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: “أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإنّ النيّة بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح ماتت، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح

ولهذا اجمع العقلاء على ان المعيار الذي يدرس ويقوم ويصنف به  العمل هو مستوى الصدق و الإخلاص فيه كمدخل وكشرط  للقبول به , ولتحقيق الغايات والمتطلبات التي يبتغيها   الإنسان من اي  عمل..فعندما يرتبط ويقترن العمل مع العلم بما يجب القيام به وعلى اي وجه  تتحول الافكار والمتمنيات والبرامج الى واقع ايجابي ملموس  مستدام يساهم في خدمة الفرد والجماعة والفكر البشري ..

وفي هذا السياق ايضا  يفترض اعتماد معيار وحقيقة النظر  وخلفياته وطبيعة التصورات اهي حقيقة ام وهم ؟  او نظر بئيس بعيد كل البعد عن التعقل والتدبر ..

ان ما نعرفه وما نظن اننا نفهمه يـعكس مستوى الادراك والوعي عندنا , وتتجلى اثاره للناس فيظهر  على حقيقته  الصالحة او الطالحة   ..

..كما ان ما نفعله وندافع عنه رغم اننا لانفهمه , او نتعمد عدم الفهم  , او  ندرك اننا على باطل وعلى الطريق الخطا  , هو ما يجعلنا نقدم انفسنا وكاننا لسنا نحن , او اننا بوجوه ولبوس متعددة متنافرة تتغير بتغير المصالح والاهواء والعلاقات والمصالح الشخصية ..

..ان اي عمل كان بمرجعية دينية او وضعية  يفتقد  الرؤية الضرورية والموضوعية والمنطقية للحاضر والمستقبل   يكون خطرا محطما لكل ما هو جميل وصالح , ومعطلا لكل تطور ايجابي , وتتضاعف آثاره السلبية  بمقدار ما يكون عاما يطال الناس ويرهن مصيرهم ..

هنا نستحضر  الحديث عن  الإيمان الذي هو المدخل لحقيقة العمل والنية والذي يعرف فقهيا  بانه “إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان”..الايمان اي التصديق والاقتناع الباطني بالقلب او بالعقل او هما معا وتجلي ذلك في السلوك محبة وعملا ..اجتهادا او تقليدا  واتباعا 

ان التنظير العلمي  – وليس الغوغائي   – وحده دون اليات العمل والتنزيل في الواقع على الوجه الامثل  لا يؤدي إلى تغيير   الواقع بل يبقيه على حاله و يتسبب في تعقيد الامور وتدهورها ..

ان العمل البناء المستنذ الى نظرية صحيحة وواقعية  مع توفر الصدق والاخلاص والارادة  هو الذي يغير الواقع ايجابا ويجعله  أفضل واكثر قدرة على التقدم والتطور ..

روي  عن الإمام الكاظم عليه السلام انه قال :  ” قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود

ان تجديد النظر و الفكر  والصدق والرفع من مستويات الجودة في العمل  وتحديث طرق التواصل مع المجتمع والافراد  مدخل سليم  لتجاوز ومعالجة كل التحديات , والاجابة على  التساؤلات , ومعالجة   الانتظارات  , وتجنب الانزلاقات والتراجعات ..

ان المطلوب  منا هو ان نمتلك  زمام  المعرفة وان نعلم  يقينا  ما فيه مصلحة للناس وما فيه مضرة , وما يجب الاقدام عليه وباية كيفية , وما يلزم  تركه والابتعاد عنه وبافضل السبل  ..كما ان المفترض فينا ان  نعرف مايفرح الناس  وما يغضبهم  , وان نعرف منهم كيف يرون الامور وكيف يحكمون عليها , وان نشاركهم توصيف مشاكلهم وترتيبها , ان نحدد معهم اولياتهم وطرق المعالحة ومستوياتها  وان بحقيقة واقع الحال والمتوفر من الامكانات والاكراهات , ان الثقة بين المتحاورين وبين الناس  لابد من استحضارها وتحققها , والا تلاشى التواصل وانقطعت اواصر مختلفة وتعطلت المصالح ..

  ان اي تفكير  شخصي منفرد برؤية تتوخى  خدمة مصلحة الجماعة يمكن ان يفيد او يساهم في انجاح وتثمين التطور ..لكن لايمكن له ان يكون بديلا عن الاراء الاخرى او ملغيا لها او عدوا لها ,  انه يصبح بابا كبيرا لطريق سريع للعزلة والتردي والتحول الى هامش المجتمع والفعل العمومي , والغاية من الايمان بالدين والفكر المتنور ..

 فالايمان في الدين لا يكون بالاكراه والاخضاع والالزام باية طريقة  حيث يقول تعالىلااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي “سورة البقرة..

إن العقل والقلب الذي يوظف و يجعل من العلم او المعرفة الممتلكة  ادوات للاساءة  والافساد  قد يتطاول على الهوية وحاضر الناس ومستقبلهم  وخصوصياتهم ويصبح من اخطر ادوات التخريب التي ادانها الكتاب والسنة وكل العقلاء من بني البشر .

قيل ..يتعلم الحكماء من أخطاء الآخرين، بينما يتعلم الحمقى من أخطائهم الخاصة

ومما قاله الإمام الصادق عليه السلام  :« ولا بدّ للعبد من خالص النيّة في كلّ حركة وسكون ، لأ نّه إذا لم يكن هذا المعنى يكون غافلا …”،

قال تعالى عن الغافلين  : (… لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ اُولـئِكَ كَالأنْعامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ ).تارودانت : الاربعاء 14 يونيو2017

 

,