مصطفى المتوكل يكتب: حاجة النفس الى التعهد والتقويم

بتاريخ 27 أبريل, 2017 - بقلم أسراك 24

أسراك24 /

كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بعض عماله: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة، عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته، وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة.)

قال الغزالي : (اعلم أن العبد كما [ينبغي أن] يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا، وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته… فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد ؟ ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك) (الإحياء) .

لاتستقيم الامور بدون تراكم ايجابي ..ولا تتطور بعيدا عن محاسبة النفس ذاتيا وجماعيا في علاقة بالعمل الفردي او المشترك والمؤطر فكريا ومذهبيا وسياسيا في علاقة بالتاريخ والاصول والمسارات وواقع الحال  والمآلات  … ولايستطيع اي كان ادعاء العصمة او امتلاك الكلمة التي لاياتيها البا طل من بين يديها ومن خلفها ..كما لايمكن ان يتصور ان الانبياء وحدهم بمعزل عن مجتمعهم ومحيطهم واصحابهم يمكن ان يحققوا تقدما في التغيير او الاصلاح او البناء ..فالرسالات السماوية  كانت واضحة في هذا الباب …كما ان كل الذين احبوا الحكمة والمعرفة والحقيقة والعدالة يستحضرون  الاخر والجماعة/ المجتمع  اثناء التفكير وقبل الاقدام على اي عمل  فيشاركونهم الراي ويستنيرون بالمشورة والنصيحة والنقد تعديلا وتصحيحا وتقويما حتى تصبح  الفكرة او النظرية او المبادرة  ملكا للجميع تجيب على  اهم التساؤلات وتؤطر الاجتهاد وتضمن التخطيط المحقق للمصالح المشتركة الثابث نفعها للناس

ان للنجاحات والانكسارات  معايير وتجليات وتمظهرات  متعددة …وان قياس الحصيلة اية حصيلة  لاتكون بمعيار واحد توزن به اعمال من ذهب كما توزن اعمال من رمل وزبد  ..لهذا فالموازين العادلة متعددة وهي التي ترى الاشياء على حقيقتها بطعمها والوانها نفعها وضررها على الجميع  دون تفاضل او تمايز

قال تعالى : (نضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ) سورة الانبياء

ولهذا نجد في الدين كما في الفلسفة وعلم الاخلاق ان المعرفة والادراك والرؤية الموضوعية والتمييز العلمي الرصين تشكل  الضامن للتراكم الايجابي للخبرات والمطور للافكار والمسدد للاعمال والمبادرات والضامن للتقدم المطرد ارتقاء

ان محاسبة النفس تكون قبل العمل بدراسة وتمحيص وتدبير تنزيل الافكار ..و اثناء لحظات التنفيذ حتى انتهائها لضمان عدم الانحراف والخروج عن الجادة ولتصجيح الاخطاء  قبل تحولها الى معضلاتوكذا بعد انتهاء العمل في كل مراحله من الفكر الى التخطيط الى التنفيدفكما للفكر والعمل مساحة للمحاسبة فكذلك للزمن الذي حصل فيه الفعل يجب ان يخضع للتمحيص والتساؤل  هل استثمر  ايجابا ام لا ؟؟..

ان كل من حمل او تحمل اية مسؤولية من الاسرة الى  المؤسسات الرسمية  ومنظمات  المجتمع المدني من احزاب ونقابات وجمعيات .. تطوقة رسالة وامانة لابد من رعايتهما وفق الاصول والضوابط المحققة  للتبليغ والعمل باللتي هي احسن من اجل الافضل ..فالمستقبل المستهدف  من كل مهمة يطوق حاضر الغد وما بعده ويؤثر على الماضي الخاص والمشترك ثقافة وتراثا واعمالا ..ويرهن اجيالا وقد يضيعها

لهذا شدد الله سبحانه وتعالى  محاسبته وتنبيهه للانبياء والرسل وهم معصومون  حتى يبين لنا جميعا  القواعد الواجب اتباعها في تعاملنا مع كل الرسالات البشرية ..

لهذا قال تعالى في سورة الانبياء : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِ.. )

يقول تعالى: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ..) سورة الانفال

وقال : ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) التوبة

وقال :(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) الاحزاب

انه ولضمان النجاح الممكن لكل مضامين الرسالات والمهام  يجب   اعتماد الشورى والتشاور ليس من موقع الامر والنهي والاتباع لاولي الامر بل من موقع ان يستمع كل من ولي اية مسؤولية للناس  والذي هو واحد منهم وليس هم معه وحده .. ان النصيحة والمشورة كانت ديدن الانبياء  والرسل كما هي منهج عمل للعادلين والحكماء عبر التاريخ ..لهذا فبقدر ما تقل الحكمة ويقل التواصل ويعطل النقد والنقد الذاتي  البناء بقدر ما تكثر الهفوات والاخطاء ..

ان الاشكال ليس في اهداء الافكار والاقتراحات وحتى ابراز الاخطاء والنقائص ..بل الاشكال في تجميل وتزيين  ما يظهر بالتامل البسيط انه لاحق اثبت ولا باطل دفع ..

قال الامام علي  رضي الله عنه -: «المشاورة حصن من الندامة وأمن عن الملامة»،

وقال : “ثمرة المحاسبة صلاح النفس

ولهذا وبلغة العصر  نحن جميعا في حاجة الى تقييم موضوعي بروح نقدية ونفس ديموقراطي ومحاسبة لانفسنا كنا في موقع المسؤوليات او كنا اناسا عاديين لان ذلك عين العقل وعماد حماية الافراد والمؤسسات  من عاديات ودوائر الزمان التي هي محك التطور من عدمه  … تارودانت :الاربعاء 27 ابريل 2017.

,