مصطفى المتوكل يكتب : العودة إلى الحزب والمجتمع بالنفس الإتحادي الأصيل ضرورة تاريخية و وطنية

بتاريخ 16 نوفمبر, 2019 - بقلم أسراك 24

أسراك24 : مصطفى المتوكل /

إن للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية ضمير وعقل  يقظين يسعان كل اهتمامات الوطن والشعب ، ويحرسان حركة ومسار سياساته ونضالاته ، ويثيران انتباه الجميع لتجنب الوقوع في أي متاهات يمور بها الواقع السياسي غير المتوازن أصلا …كما له محطات حددتها وتحددها قوانينه وأنظمته أيا كانت تسمياتها منذ بدايات التأسيس  بعيد استقلال المغرب إلى اليوم ، وضع به تصوره لهياكل تنظيمية عادية ، وأخرى هي عرف استثنائي يلجأ إليه  في فترات القمع الكبير والجمر المتقد والرصاص الذي تعرض له الإتحاديون والإتحاديات وتعتبر تضحياتهم به وسام شرف في تاريخ المغرب وتاريخ الحراك النضالي العالمي ، كما له في فترات حرجة من تاريخ المغرب والحزب منهجيات عمل ونضال  خارج كل الضوابط القانونية الداخلية أبدعها قادة عظام فتمكنوا من إخراج وإنقاذ حزب القوات الشعبية من أزمات خطيرة ومهلكة ،،

إن هذا الإبداع الذي يتصف به زعماء الحزب التاريخيين مع صمود وإرادة المناضلين والمناضلات الأفذاذ  هو الذي  كان الضمانة الرائعة والمتفردة  لإستمرار عطاءات العائلة الإتحادية  في مختلف القطاعات والمجالات وقيامهم بمهامهم النضالية ببعدها التنظيمي  حزبيا ونقابيا وجمعويا ، ليكون  وجود الحزب مرات في أوج قوته ، وأحيانا بمظهر قوي رغم ضعفه وانكساراته وأزماته ،

إن كل القوانين والتشريعات المعتمدة تسعى للضبط والتحكم برؤى وخلفيات  مهندسيها التي قد لايدرك تفاصيل خلفياتها وحقائقها الغالبية من الذين يناقشونها  كوثائق ويصوتون عليها كمقررات  إلا عندما يصطدمون بثغراتها اللامعقولة و يكتشفون أنها تحتاج إلى تجديد وتغيير .. إنها تصطبغ أحيانا بمنطق  مهندسيها بغايات قد يكون منها بناء أغلبية  يصادق بها على سياسات  ومواقف تضبط تحركات التنظيم أفقيا وعموديا وتضع آليات تتأرجح بين الإعلان الديموقراطي وتسيير مركزي ،،

وبجرد لمحطات من تاريخ التشريع بالحزب سنرى على سبيل المثال لا الحصر كيف ولماذا أقصي  تقرير المهدي بنبركة ؟ وكيف تعمد بعض القيادات لتعطيل الحزب وترهيب كفاءاته وإفشال كل المبادرات ، ومن الأمثلة  ما تعرض له الشهيد عمر بنجلون والمئات من الشرفاء والشريفات في أوائل الستينات وحتى أواسط السبعينات  من قمع وترهيب داخل الحزب و النقابة ،وخارجهما  …

ولنا أن نطرح  تساؤلات حول خلفيات إبعاد العديد من الوثائق ، وتعطيل برامج ومبادرات رائدة سياسية وثقافية واجتماعية كانت متقدمة في طروحاتها وشكلت منارات مهمة للإشعاع الإتحادي ..؟ ،

ولنا أن   نسائل بقلق انفسنا و التنظيم ويقظة حماة الفكر الإتحادي  عن :  كيف اختلط الفكر الإشتركي  بالفكر المتعارض معه في الممارسة السياسية وأصبح باهتا وفاقدا لهويته .. ،؟  وكيف تم تأويل وتحويل كل إختلاف واجتهاد في الرأي والتحليل وكل نقد موضوعي سليم  إلى صراع عدمي يسعى لصناعة تشرذم حزبي إتحادي ، ونقابي إتحادي  ، ..؟ ولماذا اضطر أو تعمد غالبية المثقفين والمثقفات  الإمتناع عن الكلام في الحزب والسياسة ..؟

إن للحزب بين كل مؤتمر وآخر آليات وإبداعات من داخل  التنظيم تضبطه ويمر منها ، كما له محطات يصنعها المناضلون والمناضلات بمبادرات لايمكن الإستهانة بها أو تبخيس قيمتها لأنها  رأي مشترك بين العديد منهم قد تكون معوضة لبيروقراطية وبطء في الحركية الضرورية في أي برنامج حزبي .. ، و تكون أحيانا بمثابة  حراك لضمير واع فردي أو جماعي مؤمن بالديموقراطية والعدالة والوفاء  لإثارة الإنتباه إلى ماتجاهلته أو غضت الطرف عنه الأجهزة الحزبية  بعدما تعذر  إيصال الفكرة والمطلب والموقف داخل الهياكل التنظيمية القيادية للحزب …، وقد يكون على شكل انتفاضة كما فعل المناضلون والمناضلات بحزب الإستقلال ليتأسس الإتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وكما فعل الإتحاديون والإتحاديات  بمحطة مقررات 30يوليوز 1972 ، ثم بالمؤتمر الإستثنائي الذي كان حركة بنفس ثوري تنظيميا وايديولوجيا ونضاليا ، وكذا الإقدام  بجرأة المؤمن بربح تحدي إعتماد استراتيجية النضال الديموقراطي  .. ،

إن كل محطات التدافع الإيجابية الداخلية بالحزب هي ظاهرة حيوية و صحية تدل على التجديد في الفهم وفي آليات التفاعل بين مايمور به المجتمع في علاقته بالحزب وبين ما تسير عليه قيادة الحزب  يجب تنظيمها واحتضانها بنفس ديموقراطي قادر على الاستماع والتفهم لكل الآراء والتوجهات داخل مكونات الاسرة الاتحادية وعلاقاتها باليسار ،،  لكن مع كامل الأسف بفعل الخوف من التجديد او لوجود  توجه يمتلك رؤية معاكسة   أجهضت وعطلت عطاءاتها التي كانت ستكون قيمة مضافة  تثري العطاء الفردي والمشترك والعام  …. ،

إن أهمية الوضوح الإيديولوجي ، والترجمة الفعلية لحمل اسم القوات الشعبية  ،والتجسيد العقلاني للإنخراط النضالي في كل قضايا وشؤون الشعب والوطن ،  ومأسسة استراتيجية النضال الديموقراطي ، -كل هذا – يـــحتاج إلى خروج من قوقعة “الشعارات” التي تصبح مادة للإستهلاك تفقد قيمها ومعانيها الصادقة  بعدم  تطابقها مع المبادئ والخط والعمل الميداني أخلاقا وسلوكا ونضالا وتضحية ونكران ذات .. إن الوضع  يحتاج إلى الجرأة في قول ما يجب قوله باللغة التي تترجم إرادة الشعب في الإصلاح والتغيير …، والقطع مع الجمود والإنتظارية والإرتجال ..

إنه ولإنجاح  العمل الحزبي تنظيميا وجماهيريا ، بمعية النخب المتنورة  لا بد من وجود وضوح فكري  ، يترجم  بالبرامج والتخطيط ، و بالتحالفات التي تتقاسم المبادئ والمرجعيات  ، وفي الإرتباط العضوي الميداني بقضايا ونضالات الجماهير الشعبية تأطيرا  وتمثيلا  وقيادة ..، وبسعي حقيقي واضح لإرساء بناء دولة الحق والقانون والعدالة الإقتصادية والإجتماعية ومجتمع المعرفة ..

ومن هنا  نسائل أنفسنا أين نحن من التنظيم الحزبي الإتحادي الذي هو مؤسسات حزبية ديموقراطية من الخلايا التي تنتظم فيها القواعد الإتحادية الملتزمة ،و المسلحة بالفكر التقدمي والاشتراكي ، والمتشبعة بالروح الجماعية والديموقراطية ، والتي تشكل مجالس للفروع المحلية التي تنتخب منها مكاتبها ، إلى المؤتمرات الإقليمية وتشكيل أجهزتها  ، ثم بناء جهوية حقيقية حزبية  بما يتلاءم مع تصورنا  لحزب مهمته نضالية مع الجماهير الشعبية …والتي لايمكن أن تتحقق بسياسة ” انفتاح” غير متبصرة تلغم وتضعف التنظيم وتغرقه بهواة الميوعة السياسية والساعين للمصالح الآنية الشخصية والباحثين عن الريع   … ،،

إننا لايمكن أن نسترجع قوتنا وهيبتنا إلا بأن نسير وفق النفس والصدق الذي  ناضل به المثقفون والشرفاء من أجل بناء الدولة الوطنية الديموقراطية العادلة المحققة للعدالة الإقتصادية والإجتماعية والنهضة المعرفية والعلمية ،،

ولنا أن نسائل أنفسنا كذلك هل تحالفاتنا السياسية اليوم والبرامج التي تسطر  وتسير عليها الحكومة أو البرلمان أو الجماعات الترابية جهات وأقاليم وجماعات .. منسجمة مع مبادئنا وتترجمها فعليا تخطيطا وتنزيلا ؟؟

وهل استرتيجياتنا العامة والقطاعية والترابية والسياسية والثقافية والنضالية  تعبر عن مبادئنا وقناعاتنا  في التعامل مع المشاكل الكبرى بالدولة والمجتمع ؟؟ ، وهل  تنسجم مع مبادئنا وتوجهاتنا  السياسات الإقتصادية والإجتماعية و…؟؟ ،

وهل التشريعات المعمول بها والتي وتسن  و التي تتبناها وتعتمدها المؤسسات التي نتواجد بها كأقلية مكملة لأغلبية يمينية ،أو يمينية إسلاموية ، أو كأغلبية نسيرها بتحالفات هجينة حتى في الجماعات الترابية  نبضها تقدمي ويساري و…؟؟ ،،

إنه يفترض فينا أن نعتمد سياسات لا تساير  تكريس ومأسسة الخصاص و والتستر على الازمات والاكراهات والمشاكل  والتآلف معها باعتبارها قضاء وقدرا ، ولا أن نسكت الى درجة نكون فيها متبنين لكل القرارات اللاشعبية واللاعادلة التي ألحقت الضرر الكبير بالطبقات الفقيرة والأجراء والشغيلة بمختلف رتبها التي  اختل توازنها ودورها الأساسي في التنمية الإقتصادية والتي تحتاج تنظيريا إلى اسم جديد لن يكون هو البورجوازية الصغرى ولا المتوسطة   ،، كما يفترض فينا وفقا لمبادئنا المشكلة لهويتنا  أن لا نترك ونجعل قضايا المواطنين والمواطنات الأساسية تتعرض لضربات مؤلمة تمس بقدراتها ومعنوياتها ، وتعاني  من سياسات مشبعة بالرأسمالية النخبوية التي لاتبحث إلا عن الربح  السريع والمتضاعف المؤدي إلى اختلال في توزيع الثروة الوطنية ، وفي توسع وتعقد تجليات الفقر  …

إن التمادي في سياسات خاطئة بنيت  قراراتها  على معطيات ظرفية وأحيانا اندفاعية  واحترازية ضيقة الأفق وبانحياز للبورجوازية الكبرى وطبقة صغيرة من الشعب  على حساب الطبقات الشعبية المتسعة يوما بعد يوم ، تجعلنا  نسائل أنفسنا  على قاعدة النقد الذاتي  هل نحن  كحزب الى جانب قوى اليسار الأخرى مازالت ثقافتنا يسارية تقدمية ؟ …

… إن القبول بالأمر الواقع بما فيه التناحر الداخلي بقوى  اليسار وبينها  ، والتبخيس والتشكيك المتبادل والتفكيك الممنهج للآليات النضالية التقدمية والجماهيرية والديموقراطية  من داخلها  ومن خارجها يجعلنا نتحمل مسؤوليات أكبر لأننا عطلنا هيئات مناضلة  كانت تمد كل الأحزاب والوطن بكفاءات أصبحت نادرة خلال العقود الأخيرة .. والتي كانت رائدة في إنجاح كل محطات النضال  والدفاع وانتزاع حقوق ومطالب الشعب ..

إننا لم نعد  واضحين لدرجة أصبحنا معها خصوما وأعداء  لأنفسنا وللمجتمع  بسبب  سياساتنا الغامضة والحمالة أوجه والمتناقضة مع مطامح الشعب ، مما يجعلنا متهمين بالإسهام في التدجين والتضليل واستغلال الناس بل والسكوت عن مظالم يتعرضون لها ،  ونتهم بالمشاركة في إصدار تشريعات وقرارات وسياسات كنا نناضل ضدها لأنها تتسبب في التفقير والهشاشة  واللاعدالة ،،،…

إن المصالحة مع الحزب وتاريخه ومع المجتمع والنخب تكون  بالوضوح والجدية والحكامة والرصانة  في المبادرات والتوجهات  والمبادئ والإصطفاف والنضالات ..

إن المغرب بتشريعاته الجديدة  دستوريا وقانونيا والتي أصبحت تحتاج إلى تطوير وإصلاح ما اعتراها من ثغرات وغموض  والتي ستدخل قريبا المرحلة “الفعلية ” لما يطلق عليه الجهوية الموسعة واللامركزية ، يجعلنا نسائل أنفسنا حيث نحن  من  كان وراء المطالبة بكل الإصلاحات والتغييرات في الدساتير والتشريعات : لماذا اليسار وحزبنا  لم يستطيعوا تنزيل مطالبهم الثورية والإصلاحية في السياسية والتشريع  بنتظيماتهم محليا وإقليميا وجهويا  ؟؟؟

واعتبارا لراهنية تقريرين كان وراء الأول  الشهيد بنبركة والثاني الشهيد  بنجلون نسترشد بفقرات منهما ونحن نقوم بقراءة نقدية لحزبنا والواقع الذي نحن جزء منه …:

بما لخصه الاختيار الثوري في الأخطاء الثلاث التي وان كانت  تتحدث عن ما بعد الاستقلال حتى كتابة المذكرة  فهي اليوم تكتسب راهنيتها باعتبارها نفس الأخطاء تقريبا التي وقعنا فيها بشكل متفاوت ما بين الثمانينات الى اليوم .. :

جاء في  تقريرالمهدي بنبركة  ” الإختيار الثوري :

((الخطأ الأول: يرجع إلى سوء تقديرنا لأنصاف الحلول التي كنا مضطرين للأخذ بها.
الخطأ الثاني: يتعلق بالإطار المغلق الذي مرت فيه بعض معاركنا، بمعزل من مشاركة الجماهير الشعبية.

الخطأ الثالث: نشأ عن عدم الوضوح في مواقفنا الإيديولوجية وعن عدم تحديدنا لهوية حركتنا.))

وجاء في التقرير  التقديمي للتقرير الأيديولوجي بالمؤتمر الاستثنائي 1975 الذي القاه الشهيد عمر بنجلون :

((…الاعتبار الأول : يتعلق بالأسباب والتساؤلات التي نحن ملزمون بالجواب الواضح عليها، كحركة اشتراكية تعمل من اجل تعبئة طاقات المستقبل في ظروف وفي قطر يسود فيه انعدام المقاييس وتطغى عليه أساليب الخلط والتضليل.

و الاعتبار الثاني : يهم منهجية وكيفية طرح المشاكل والحلول، أي قضية المفاهيم والأسلوب العلمي في التحليل، ونعني بذلك أسلوب التحليل التاريخي والجدلي، الشيء الذي يلزمنا بتوضيح ما نسميه بالاشتراكية العلمية والتأكيد على أننا لا نرى تناقضا، بل نرى تكاملا مثمرا بينها وبين المبادئ والتقاليد التقدمية لحضارتنا العربية الإسلامية.

و الاعتبار الثالث : المستخلص من الاعتبارين السابقين، يتعلق بضرورة رفع كل لبس وإبهام حول نوعية المجتمع الاشتراكي الذي نطمح إلى بنائه، وخصوصية هذا المجتمع، والارتباط الوثيق بين التحرير، والنمو، والديمقراطية، والبناء الاشتراكي كجوانب من استراتيجية واحدة شاملة، وكذلك الارتباط بين الأهداف وبين طرق ووسائل تحقيقها. هذه هي الاعتبارات التي يجب توضيحها بإيجاز لأنها لا تفسر شكل ومضمون ومشروع التقرير المذهبي فقط، وإنما تشكل منطلق جميع التقارير والمقترحات المعروضة على المؤتمر…))

” يتبع “

,