مصطفى المتوكل يكتب : العدمية والتمييع والعبثية من معطلات التنمية و….

بتاريخ 9 أغسطس, 2018 - بقلم أسراك 24

 أسراك24 : مصطفى المتوكل/

إن المفترض في التحليل المادي والموضوعي المرتبطين بآليات التطور والتقدم أن يستفيذ الإنسان من الأخطاء التي يقع فيها ، ويتعلم من الأزمات وكل اشكال الفشل  التي تنتج عن طرق تدبيره للأمور  بسبب التهور أو الجهل أو غياب الجدية  …ومن رجاحة العقل  أن تكون الإنتكاسات دافعا قويا لتصحيح الإختلالات وللنمو والتقدم والرقي  في كل المجالات ..

إن الحديث عن العدمية والعبثية والتمييع  يهم كل الطبقات الإجتماعية ،  كما يهم مؤسسات  المجتمع والدولة  ، فإذا كانت العدمية تعني بأن القيم والأخلاق والتاريخ والتحديث والتقدم والتنوير والعدالة نوع من أنواع الإنفلات من الخضوع والتبعية العمياء وأنها ثرف نظري وحقوق يجب التحكم فيها وفي تصريفها ،، وأن لا قدرة عند الجميع على فعل أو تحقيق أي شيئ في الحاضر والمستقبل ، ولابد من إعمال سلطة العقل السياسي والسلفي  لضبط  تطور الوعي والعقل النقدي

إنها تسعى لتدمير و إلغاء كل شيئ ومحوه من الحياة العملية بما في ذلك إضعاف المجتمع وتشتيته وتمزيقة وإعادة تشكيله ليكون طيعا بين يدي من يسعون لديموقراطية ديكتاتورية فوضوية  تيسر الحكم على الجميع بأنهم غير مؤهلين لا للتسيير ولا للتدبير وادارة  كل أمور الحياة العامة ، وأن ” أهل الحل والعقد ” هم البديل الذي لاغنى عنه خاصة منهم الذين يتقمصون في شكلهم وكلامهم  خطابا روحيا ودينيا ببعد رأسمالي متوحش جشع ومتعفن ،،

والعدمية  تطال أيضا المجالات الأخلاقية ببعدها الوجودي الوطني والنضالي والتضامني  والسياسي  ،، وتتعسف على التاريخ بالتنكر لكل التراكمات الإيجابية والجميلة  التي أسست  على تضحيات واجتهادات وإبداع مواطنين ومواطنات في مختلف العلوم والبناء الحقوقي والديموقراطي ، وبتحطيم أصحابها  كل النماذج والأمثلة الرائدة والمقتدرة  من تجارب رواد وقادة وزعماء ومفكرين عرفهم الوطن لعقود بل وقرون خلت وإيداعهم في عدم النسيان حتى لا يكونوا نماذج تحتدي ولكي يتسنى للعدميين أن يصنعوا أوهاما وفزاعات ورقية ويقدموا للعامة نماذج بشرية لايمكن أن تكون إلا  سببا  في الفشل  والتخلف وفقدان الثقة  ..

إن العدمية  خصم لئيم لكل الأمم والحضارات ولكل ماهو جميل ، و لكل فكر متنور و حداثي ومجدد تنفي ما تراه وما هو وجود موضوعي ناهيك مالا قدرة لها على معرفته ولا فهمه بسبب  العناد والجهل  والرغبة التضليل وتبخيس كل شيئ ..غاياتها تفريغ الإنسان من جواهره وقيمه وتحويله الى عدو مشبع بالنزوع لرفض والشك في كل شيئ  ،، ومن تجليات تجذرها في المجتمع   ظهور “نخبها ومنظريها  ” المصطنعين  والشكليين  الذين ينصبون أنفسهم ويقدمونها كبدائل ليرشدوا الناس إلى الطرق السهلة للضلالة والضياع والتخلف والانصياع  ..

إن تمييع أي مجتمع  سياسي أي الذي لديه معرفة أولية بدائية بالسياسة  ومنهم  أحزاب   تتخصص   في الخوض  مع كل الخائضين في ضرورات ومتطلبات المرحلة ، ويرون  أنهم مؤهلون  لتقييم وتنقيط كل ماله علاقة بالشأن العأم ، والكلام الرسمي للأحزاب ومكونات الحكومات والدولة وحتى العلوم الإجتماعية والشرعية والإقتصادية ….

إن العدمية واللامسؤولية وصلت الى مداها بفعل تلاقي اتجاهين متناقضين : أجنحة  من اليائسين من الشعب  بمختلف انتماءاتهم الفكرية والطبقية والذين أقفلت في وجوههم كل الأبواب وتقطعت بهم السبل  ، وأجنحة من الطبقة الحاكمة محليا واقليميا وجهويا ووطنيا ومؤسساتيا  التي ترى اليأس والإبتعاد عن العل السياسي الواعي مدخل للمزيد من التحكم والإستقرار كما يتوهمونه  .. ومن أسوأ تمظرات ذلك تعطيل كل المهام العملية والإيجابية لفائدة الإغراق في الشكليات والتقليد الأعمى والتشبه بما لايمكن استحضاره ودمجه في الواقع المعيش ومتطلبات العصر ،  والإفراط في تقديم الوعود الفئوية والزائفة بالجملة والتقسيط  ، والبحث عن مشاجب تعلق بها عليها اجساد ومعاطف فكرية وسياسية مهترئة لتدبير طال تعسفه وضرره الناس وكل القطاعات الاجتماعية والاقتصادية ومسارات التنمية الحقة ..

إن خلط الهزل بالجد ، وتمييع المشهد العمومي سياسيا ونقابيا واجتماعيا وثقافيا عن طريق المحفزات الريعية من منح وهبات وتمويلات متنوعة المصادر بما فيها التي هيأتها الدولة لتفعيل حركية ووثيرة النهوض بالتنمية  ،، حيث يوثق التاريخ في ازمنة مختلفة  صنع   ” أحزاب” و “نقابات” و “هيئات ” .. خارج كل الآليات السياسية الموضوعية الفكرية والنضالية التي تنجم عنها نشأة ودواعي التأسيس  ..كما  تكاثرت الجمعيات “المحدثة”  بشكل غريب  والمتخصصة في كل شيئ وخاصة منها التي تترصد الإعتمادات والبرامج التمويلية ..؟! ..فهذا التضخم الغريب     لايعني بالضرورة  ثراء ولا تراكما إيجابيا ، ولا تطورا نوعيا للمجتمع المدني .. إنه حسب واقع الحال مؤشر ودليل على حصول   تفكك وانشطار  يسعى  لتكريس قاعدة لرفض الآخر كان صالحا أو فاسدا  مع السعي بعلة  الإبتعاد عن السياسة إلى اقصاء  كل المجتمع السياسي من المشهد بمبرر الإستقلالية وعدم الإنتماء  ،،وتحويل الهيئات الجادة إلى أقليات مهمشة وشبه محاصرة في مبادراتها وبرامجها الخلاقة

إن اهل الإختصاص والحال يفهمون ويعلمون ما الذي حصل ويحصل ولماذا ؟ ..لكن ما لايستطيعون التنبؤ به ولا ضبطه والتحكم فيه هو مسارات التفكك  وانعكاساته العدمية على الدولة ومؤسساتها ووحدتها وتماسكها وقوتها وعلى اللحمة الوطنية والإنسانية للمجتمع

إن التشكيك في الأحزاب والنقابات ومحاربتها حقق العديد من أهدافه السلبية  في السعى على الأقل لإضعافها وإلهائها  بالشكليات والعلاقات والتحالفات  التي لاهي من مقدمات الإصلاح ولا من مؤشرات التغيير  ،  كما أنه وصل إلى مرحلة خطيرة  تسعى بوعي او بدونه   لتفكيك وتمييع المؤسسات   التي تبنى بها الدول المستقرة والرائدة  و الديموقراطيات المجددة لآليات تطورها وتقدمها ونموها والمحققة بشكل مطرد ا لإزدهار لشعوبها  ،، وبطبيعة الحال ستكون المحصلة كارثية حيث  ستنعدم الثقة في كل شيئ ، وستتحول الأمور داخل المجتمع إلى تكثلاث مجهرية قبلية ومناطقية وأسرية ومالية وريعية ولوبيات  مصالحية أنانية إنتهازية ضاغطة ،، لكل منها حكامها وقادتها ، لايعترف بعضهم بالآخر إلا إذا  إلتقت مصالحهم “الخاصة جدا ”  في مقابل إضعاف العام المشترك بين كل مكونات المجتمع  مما يتسبب في إضعاف الدولة ويفقدها هيبتها الأخلاقية و الاعتبارية عند الناس  ..

إن الإهتمام بالشعب وقضاياه ومشاكله وتنميته واستقراره وازدهار ، لاتكون  فقط بالشرح المبالغ في التفاؤل   للقوانين المالية  والمخططات والبرامج المعتمدة كخماسية و عشرية و ثلاثينية ، كما لايكون بالإفراط في الشك و اليأس في كل ما يطرح ويقترح من أية جهة كانت  ، ولا بتوزيع الإتهامات والتحلل من المسؤوليات التي يتحملها الجميع  في كل مؤسسة مؤسسة  ومنها الحكومة ،، ولا بالإغراق في التوصيات والتوجيهات والتعليمات ..

إن الجهة المعنية بكل شيئ  بالنسبة للعامة هى التي تملك السلطة والقرار والمال والنفوذ بشكل دائم ، وتليها التي تتناوب على الحكم ، ثم  التي يعهد إليها بتنفيذ القرارات والسياسات وتنزيلها في كل ربوع الوطن ،ثم مختلف الفاعلين حتى في المجتمع المدني على مدار الزمن ،  وبكل المؤسسات والقطاعات  أفقيا وعموديا فرديا وجماعيا ثم عامة الناس الذين يقولون أحيانا أنهم  السبب وراء ما يحصل إما لإختياراتهم ، أو سكوتهم ، أو إحتجاجهم أو لسلبيتهم

إن الذين يبيعون الوهم رغم أن مللهم متعددة قد يعادي بعضهم بعضا ، غايـاتهم واحدة ، ونتائج سياساتهم وممارساتهم  تتفاوت  سلبياتها وخطورتها وتأثيراتها وانعكاساتها على الشعب ومستوى عيشه   وعلى الإستقرار والأمن وعلى معدلات سير التنمية والبناء الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي و

إن تعدد المتدخلين من وزارات ومؤسسات ووكالات و.. ، وتعدد الصناديق ،  واختلاف أنظمة البث وزوايا النظر في الملفات والبرامج والمخططات .. ،  وتضارب وتناقض المرجعيات والنوايا حول قضايا وملفات واحدة :  كالهشاشة والفقر ، و  النظام التعليمي والتربوي والتاطيري ، والرعاية الصحية ، والإدماج الإجتماعي ، والإختلال المجالي ،  وفك كل أنواع العزلة ، ومعالجة كل أشكال وتمظهرات التهميش والإقصاء ، والاقلاع الاقتصادي .. يجعل كل التدخلات تحت أي اسم  دون المستوى المطلوب ،حيث يسعى كل مسؤول ليلزم الآخرين بتوجهه الخاص  بإعتباره   راي قطاعه  والذي يكون أحيانا معطلا للتعاون والشراكات  ،  ليتحول تدبير التنمية إلى مجرد ترقيعات وحلول مجتزأة لاتتناسب ومطالب المرحلة والشعب ، وتزيد الوضع تأزيما وتعقيدا ..

إن أصحاب نظرية الفرقة الناجية من ” نار ”   السياسة و تجار الدين ، والذين يقولون  بأن الأمة منقسمة إلى  فرق عديدة كلهم في “النار”   إلا الفرقة الناجية  ، فيكونون  حسب  زعمهم ذاك  هم فرق المتنطعين المغترين بهيأتهم وأنفسهم والمشبعين بالعدمية  الذين يوجد من يمثلهم في المحسوبين على اليسار  وعلى اليمين وعلى الثيارات الأصولية “الدينسياسية” ،، إنهم عمليا دعاة  للهدم تحت غطاء الإصلاح والبناء ، إذ هم جزء كبير من المشكلة ، إنهم بمساهماتهم  العملية  في صناعة الوهم وتضليل الناس ، ويحرصون  على اثارة الفتن وزرع اليأس  ،ويسرقون الأمل والمستقبل  برهن الحاضر  بتعسفاتهم وشططهم وتجاوزاتهم وتمييعهم لروح وجوهر العمل السياسي النبيل …إن الوطن يحتاج الى ثورة ثقافية وتعليمية وتربوية  ومعرفية لاهوادة فيها مع الجهل والأمية والتضليل ، وثورة اقتصادية رصينة تحمي الثروة وتثمن الموارد وتنمي الطاقات البشرية وتدمجها جميعا في مسارات التنمية ، وثورة ترتكز على جعل الثقافة الحقوقية والإنسانية والإجتماعية جزء  إيماني راسخ في بناء قيم  ومجتمع المواطنة

,