مصطفى المتوكل الساحلي يكتب : نتائج السياسات المتبعة وضرورات المرحلة

بتاريخ 23 سبتمبر, 2020 - بقلم أسراك 24

أسراك24 /

بعد عقود من سياسات التدافع غير المتوازن واللامتكافئ و اللاديموقراطي والتي نتجت عنها حملات اعتقلات واسعة واختفاءات عديدة وانتهاكات لحقوق الإنسان داخل المعتقلات وخارجها والنفي والإبعاد القسري والإرادي ،،

وبعد الطرد والتضييق على الأرزاق وقطعها بسبب الإضرابات وغيرها ،، وبعد معاناة أسر المضطهدين والمقموعين الذين يعدون بالآلاف .. أقدمت الدولة المغربية النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي على فتح صفحة جديدة باتفاق مع زعماء المعارضة المغربية وعلى رأسهم الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية الاتحاد الوطني سابقا وما تفرع عنهما من منظمات وأحزاب يسارية من أجل :

المصالحة في علاقة بماسمي من طرف المعارضة والدولة بالإنتهاكات الجسيمة وسنوات الجمر والرصاص .. ، وبموازاة مع ذلك الاقدام على إصلاحات سياسية وتشريعية في افق بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات ، كمرحلة انتقالية تطوى بموجبها المواجهات النضالية المختلفة الوسائل والقمع بكل اشكاله …

وبعد ما يناهز عقدين من انطلاق هذه المبادرة المهمة لنا أن نتساءل كل من موقعه ، هل تحققت الأهداف والنتائج المتوخاة في علاقة بالطي النهائي لصفحة الماضي ؟ وهل تم القطع مع انتهاكات أو تجاوزات حقوقية وإنسانية وسياسية واجتماعية طوال العقدين الماضيين ؟ هل طويت صفحة التخلف والظلم الاقتصادي والاجتماعي ؟ ….

لهذا لابد أن نستحضر من معطيات وتقارير ودراسات تلك الحقبة أن من أسباب القمع والإنتهاكات تضارب المصالح والرؤى السياسية والأهداف في علاقة بسعى أطراف الصراع من أجل بناء مجتمع ودولة الغد الذي يطمئن اليه الجميع وتتحقق فيه مطالبه ومطامحه … ،

فالدولة كانت تتخوف من نمو قوة المعارضة وإمكانية تمكنها من الحكم لتنزيل تصورها لبناء مؤسسات وطنية حداثية ديموقراطية ما بعد الإستعمار ، وكان هذا يعتبر بأنه سعي لسلب بعض مؤسسات الدولة جوهر اختصاصاتها ومكانتها ، بإقرار دستور يؤطر ديموقراطيا لتمثيليات منتخبة من الشعب تعبر عن إرادته وتسعى لنموه مع نقل السلطات للمؤسسات التي تفرزها صناديق الإقتراع ومنها الحكومة التي تتشكل وفقا لنتائج وتحالفات وتوافقات الإستحقاقات ،

وعرفت تلك العقود سياسات الردع والتضييق والقمع وبوضع تشريعات تدعمها بما فيه تلك توبع بها الوطنيون زمن الإستعمار ، كما شهدت اقوى الخطوات والمبادرات السياسية التنظيمية والتاطيرية والنضالية حزبيا ونقابيا واجتماعيا ، كما عرفت تلك الحقبة زخما تقدميا ويساريا فكريا وثقافيا وابداعيا في اكثر من مجال وكان المجتمع بطبقاته الشعبية وبورجوازيته الصغيرة والمتوسطة وحتى البعض من الأغنياء في مستويات وعي متميزة ومتجاوبة بشكل واسع مع المعارضة في المدن وفي العديد من المناطق القروية ، فكانت نتائج الانتخابات في أوائل الستينات بفضل مؤسسي الاتحاد واليسار من الوطنيين المجاهدين والمقاومين الذين يحضون بمصداقية كبيرة …

كما وثق التاريخ مواجهات بين اطراف الصراع تجمل مرجعياتها وروحها في بيانات قوية بخطابها ومطالبها الجريئة مدعمة بحراك جماعي شعبي ومدني ، كما كانت مواقف وبيانات الدولة تتجاوز في قوتها وردوج افعاله تحركات المعارضين لتكسير شوكتهم وتقزيمهم وعزلهم عن المجتمع ،، فحصل التدافع العنيف الذي حققت به الدولة ضبطا وتحكما مباشرا أو غير مباشر للعمل السياسي اليساري والتقدمي ، وتعطيلا للمناضلين والقياديين بالإعتقال والنفي والإختطاف وباستقطاب البعض منهم وتحولهم الى خصوم لرفاق امسهم المشترك ..

ولقد حرصت الدولة لاعترافها بأهمية ومكانة ووطنية رجالات السياسة آنذاك لأن أغلبهم حارب وقاوم الإستعمار وعمل بفعالية في مفاوضات الإستقلال بتنسيق وتشاور مع المؤسسة الملكية ، بحرصها على إبقاء مساحات انفراج تتوخى فيها تحقيق توافقات ” ممكنة ” بالإستجابة لبعض المطالب السياسية المفتقرة للفعالية والجدية في التطبيق ، ولقد حققت المعارضة رغم حالات الاستثناء تحديا إيجابيا باستمرار وجودها الرمزي والأخلاقي القوي بفضل قيادتها الوطنية ومناضليها ومناضلاتها بالداخل والمنافي ، وهذا التاريخ بهؤلاء الرجال والنساء هو الذي جعل الاتحاد الاشتركي اتحادا للقوات الشعبية وحركة تقدمية لها مكانتها على الصعيد الرسمي والمنظمات الجماهيرية عالميا ..

وفي علاقة بين الماضي والحاضر وخاصة في العشرية الأخيرة 2011 حتى 2020. يمكن القول إن العديد من القرارات والتشريعات والسياسات المعتمدة من طرف الحكومات المتتالية خلالها ألحقت الضرر الكبير بالعديد من المكتسبات ، وزعزعت حتى ما تبقى من التوازن الإجتماعي ، ووسعت من الفوارق الطبقية ، وألحقت الضرر الجسيم بالمجتمع واقتصاد الطبقة المتوسطة التي تضم الشغيلة والموظفين بالقطاع العام وشبه العام و بالقطاع الخاص والخدمات بما في ذلك الفلاحي .. إلخ ، كل هذا وغيره خلق وتسبب في احتقان وأزمة اقتصادية واجتماعية أثرت بشكل سلبي كبير على سوق التشغيل والخدمات الاجتماعية وخاصة الصحية ، وأضر بمهام وأدوار قطاع التعليم العمومي بكل أسلاكه ، وأفرز تدمرا كبيرا وسط الشباب العاطل وخريجي الجامعات ومؤسسات التكوين المختلفة .. إلخ إن ما يهمنا هنا هو أن نسجل الفرق الأساسي بين الحقبتين : فقبل المصالحة والتناوب التوافقي كانت أحزاب اليسار والأحزاب الوطنية الديموقراطية وفي مقدمتهم الاتحاد الاشتراكي مصطفة مع الشعب يؤطرون نضالاته شبابيا ونقابيا واقتصاديا واجتماعيا ، وكان ترافع المناضلين والمناضلات من القيادة إلى القواعد يقود ويؤطر وينظم النضالات ومختلف أنواع الحراك بشكل حضاري ، فأحيانا يكبحون جماح التسلط ومرات يفشلون تمادي الحكومات في سياساتها المجحفة التي تمس بحقوق الشعب ، كما يبرعون في التدافع النضالي بحس وطني بإصدار مواقف سياسية قوية ، وإطلاق مبادرات نضالية في كل الواجهات ومنها البرلمان بترافع راق وحكيم كان يتتبعه الرأي العام باهتمام وحماسة زمن جلسات الأسئلة الشفهية التي يرى فيها الشعب ممثليه الحقيقي .

,