مصطفى المتوكل الساحلي يكتب: ما قدم وما أخر في الشؤون العامة و السياسة ..

بتاريخ 7 ديسمبر, 2017 - بقلم أسراك 24

أسراك24 /

يقول تعالى ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (*) بل الإنسان على نفسه بصيرة (*) ولو ألقى معاذيره ) : سورة القيامة

بين الحاضر والماضي سيرة ذاتية لكل فرد  بالمجتمع  مكونة من  كل  أفعاله وأقواله في علاقة بنواياه وغاياته ومعتقداته وأعرافه  وثقافاته , يمكن له أن يراجعها  ويقيم ويخبر نفسه بطبيعة  وصنف حصيلتها   ويسعى إلى الإستزادة مما  تبث عنده أنه الصواب بالإقتناع أو بالحجة والبرهان ويتخلى عما تأكد له أنه الخطأ …هذا إن كان عاقلا واعيا وحكيما  ..فيرتاح ضميره إن  قدم وأخر   أعمال  الخير والإصلاح والبر .. ويتألم ويتحسر ويندم   على ما صدر عنه من  شرور و مفاسد ..أضرت به وبالناس وبالمصالح العامة  ومستقبلها ..

وتختلف مستويات التقييم  بناء على العلم  و الجهل .. و العمد  و عدم القصد ,  بإلارادة أو بدونها , وبناء على الرغبة أو الضرورة  …

وقد تمتد آثار الأفعال والقرارات  الصادرة في  حياة الفرد إلى غيره   بعد وفاته  فيكون ما سن وترك من عمل يعمل به الناس  مندرجا في إطار مسؤولياته كالسياسات الفاسدة والمجحفة والقرارات المتطاولة على حقوق  الناس و المواطنين  ومكتسباتهم وممتلكاتهم وأموالهم والقيام بكل ما يمس أعراضهم وكرامتهم .. أما إن كانت مفيدة وإيجابية فيرجع إليه فضل العمل ونتائجه الخيرة  لأنها تنسب إليه فيترحم عليه أو يشكر حيا و ميتا ..

قال رسول الله (ص) : (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا) /مسلم

إن القيام  بالعبادات والطاعات والإيمان بالأخلاق الإنسانية المشتركة  يجب أن تتجلى وتتجسد في أفعال وأقوال وأعمال وسياسات الأفراد ,  و يلزم أن تنعكس إيجابا على  الآخرين , والأمر يتعلق  بكل الناس  وبكل الأوطان كانوا محكومين أو حاكمين , وكذا  مختلف مكونات المجتمع المدني وغير مدني ..

إن تاريخ تطور البشرية  هو تاريخ للأخطاء نتجت بالبحث  المستمر منذ البدايات الأولى للبشرية على وجه البسيطة عن حلول وأجوبة  و حقائق , وعمل من أجل تجديد الفهم  وتطوير وتحصين القدرات والإرادات والعقول  لبناء العلوم والمعارف والحضارات وللتحكم  , إنه تاريخ يرسم مبيانا لمستويات ونسبية التطور والجهل ,  فنطلع على أحوال معرفتنا البدائية والسطحية ,  وكيف كنا نتعامل مع الوجود الموضوعي . لهذا ليس عيبا أن نخطئ ونحن نبحث  عن أجوبة لأسئلة وإشكالات تعترضنا ..بل العيب كل العيب أن نتجاهل الاخطاء ونعيد تكرارها , ونعطل آلية التساؤل من أجل المعرفة ..

إن تاريخ السياسة و الحكم  – القوى الساسية والمؤسسات –  يتأرجح بين التراكم الإيجابي والسلبي وضعيا وشرعيا , روحيا وماديا  , حيث تتضخم الأنا الرافضة لكل ما هو أفضل منها وأحسن , وكل من يخالفها الرأي ولو كان هو الأسلم  , إنه تاريخ للإختلاف والصراع  والتوافق  والإصلاح والإفساد والفشل و النجاح  .. والفطن في عالم السياسة  من يتعظ بغيره  , عاصروه أو سبقوه  , ويختار من الآراء والأفكار والبرامج أفضلها للناس والوطن , ويعهد بذلك  إلى من تتوفر فيهم وفيهن  القدرة والأهلية في التسيير والتدبير والإنفتاح و القابلية للتطور والتكيف في علاقة بالوسط والمحيط الجهوي والقاري ..ويتعفف ويبتعد عنها  ويقدم من يرى من هم أقدر منه على العطاء فيعمل معهم وييسر أمور الصالح العام ..

إن كل مايتم تنزيله في الواقع  يراه ويحس به ويستفيذ أو يتضرر منه   الحاضرون   ومن سيأتي بعدهم  , لهذا وعلى سبيل المثال  فصراعات أنصار وشيعة علي (ض)  وأنصار معاوية الذي حصل منذ قرون مازالت آثارها المدمرة والدموية تمتد إلى أيامنها هذه في العديد من البلدان ومنها اليمن التي خاصمت وهاجرت الحكمة   ..

كما أن نتائج السياسات الإستعمارية وتأثيراتها السلبية امتدت لعقود في  العديد من الدول التي كانت ضحية لها  , ومازالت انكاساتها وبعض أياديها   منغرسة مستولية ومتحكمة  في العديد من المواقع بإفريقيا وخارجها من طرف دول تعتبر نفسها رائدة في مجال الحرية والديموقراطية والإنسانية  ..؟؟

وفي نفس السياق  فنتائج الأخطاء والإختلالات في التأطير السياسي الرسمي للدولة والأحزاب والمؤسسات وهيئات المجتمع  تؤثر في مستويات الوعي والحس والعمل الجماعي والفردي  ببعده الوطني والأخلاقي والإنساني , وتتسبب في انتكاسات وانكسارات , وتحدث ثغرات وفراغات تتسلل منها  كل  سلبيات وحماقات وتفاهات وظلاميات أقوام لايرون في الواقع والتاريخ والمستقبل ما أشارت اليه النصوص الدينية..وما اعتمدته وأكدت عليه  القيم والمبادي الكونية السامية والراقية التي وصل اليها الانسان بتامله واجتهاده ونضاله ووعيه وعلومه ..

وقال تعالى : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) سورة الحج..

..إن صياغة الأسئلة تكون في الغالب بشكل موجه لتكون الإجابة كما يفترض السائل لا كما يجب أن تكون علميا ومعرفيا ..مثلا عندما يكون الموضوع أو الدرس فيه وضع وتزييف  ويعلم للشباب ,  فالفهم سيكون مغلوطا  والجواب سيكون  محرفا .. لأن  المتعلم يظن أن ما تعلمه هو الحقيقة وسيحملها معه وقد ينقلها  ويلقنها لآخرين

فهناك أحداث وقعت تتغير أخبارها من المشارك فيها إلى الحاضر و المتفرج , إلى السامع في نفس الزمان والمكان , إلى الذي وصله الخبر  في حينه أو علم به بعد مدة , إلى من وثقه تبعا لفهمه وتموقعه  وتعامله معه , وموقفه منه , وغالبا ما يفقد الحدث حقائقه وهويته  بمجرد ما تتقاذفة وسائل الإعلام المختلفة و الأقلام والألسن والأهواء .. وهكذا سجل التاريخ أن الامام البخاري  الذي يقال أنه كتب  أصح الكتب التي خطها المسلمون  بعد  أن وصل به بحثه و اجتهاده في اطار تجميعه للأحاديث   إلى اختيار بضعة آلاف حديثللنبي (ص)  والتي اعتبرها صحيحة  تاركا ومبعدا   عشرات الآلاف  منالأحاديث”  بناء على معايير ومناهج وضعها العلماء واعتبروها وفق تقديرهم واجتهادهم ضرورية لتصنيف الأحاديث المنسوبة للنبي (ص)  .. فاتفقوا  كما اختلفوا في البعض من الصحيح  وفي غيره , وسجل المحققون والمؤرخون أن العديد مما رفض منها يدخل فيما يسمى ب”الإسرائيليات ” أي الكلام المدسوس والمنسوب للنبي (ص)..والتي وظفها بعض العلماء في شرح القرآن الكريم ..

فإذا كانت الديانات  تعرضت للدس والتلفيق   فكيف بنا في عصرنا هذا ونحن أمام أمواج متلاطمة من الإشاعات والأكاذيب والأحداث المفبركة والموضوعة والأقوال الملفقة و المزورة المنسوبة للناس صغيرهم وكبيرهم , المثقفين منهم والعاميين , الحاكمين والمحكومين  والتي هي في حكم ” الاسرائيليات” كيدا وكراهية وتآمرا  وتضليلا ..باعتبار غايات من قالها أو كتبها  , ومقاصد الوضاعين  المشبعة بالفكر التخريبي الهدام , والعقلية الإقصائية والإستبدادية التي لاترتاح إلا إذا  أحرقت الأخضر واليابس , واقبرت كل ماهو جميل ومفيد ..

إن الجهل والنقص في المعرفة و الخلل في الوازع الأخلاقي والروحي والانساني  يدفع البعض إلى احتراف الغش والتزييف والتزوير والافتراء   , ويدفع بالبعض الآخر  في اطار التقليد الأعمى  أو حقدا  إلى ترديد وتبني معلومات وأخبار تسئ للحاضر وتسمم المستقبل ..

إن عدم تجديد أفكارنا ومعارفنا وعلومنا وتنقيح القديم منها بل وحذفه وتعويضه بما هو أفضل وأجمل وأحسن يجعلنا نحمل خليطا من الأخبار والأقوال والقراءات متعارضا يبطل ويناقض  بعضه بعضا , يجمد تحرر العقل وإطلاق  المبادرات التي تسائل الواقع وتفعل فيه لتتسلق سلم المعارف والعلوم والحضارة  , إننا نكاد نسحق حاضرنا ومستقبلنا بحمولات ماضوية مناقضة في جوهرها لروح الكتاب والسنن والعقل  تعطل وتفسد كل شيئ ..

إن نحويل الأنوار إلى ظلمات بإغلاق منافذ الضياء والبصيرة أمر يشتغل عليه الساعون للتحكم باسم الدين كما فعلت الكنيسة في أوروبا في القرون الوسطى وكما يفعل الغلاة والروافض والتكفيريون بكل توجهاتهم  ومذاهبهم الدينية وحتى السياسية .. وهذا أمر خطره كبير عندما يطال ويستهدف جيلا  بأكمله إلا الإستثناءات  , فينقطع الإتصال والتواصل مع كل التجارب والخبرات والإشراقات التي راكمتها وبنتها أجيال سابقة عى امتداد  عقود و قرون مما – يغرقنافي غياهب  عهود مظلمة في مرحلة  يسابق فيها معاصرونا الزمن ويطردون الجهل طردا من أوساطهم ويفتحون أبواب الارض والسماء فتزداد قوتهم بعملهم وعلومهم ومعارفهم المتجددة .. كما تكون لديهم سلطة وقوة العلم تجعلهم يتحكمون  في مجالات استراتيجة  ..

إن  خطورة الظلام والظلامية والجهل والامية بكل اشكالها   توظف  لغايات متعددة لتخويف  وترهيب  من يختلط عندهم الجهل بالمعرفة الحقة , كمن يسعى لضبط وإخضاع الأطفال  بتهديدهم بالجن والغيلان  , أو  يسعى ليركز في أذهان العامة أن المجتمع غابة مليئة بالتماسيح والعفاريت والكفرة..

إننا في زماننا هذا لايخبر الإنسان نفسه بحقائق الأمور ليطوعها ويصلحها ويقومها  .. كما لاينبئ الناس بكل ما فيه مصلحة لهم , ولم يعد ينفع معهم  حتى هدهد النبي سليمان إن أتاهم بالخبر اليقين ..إنهم  إكتفوا  بما تردده ببغاوات تعيش في أوساط موبوءة تقتاة من لحوم الناس وأعراضهم وكرامتهم وتحترف الوضاعة في علاقاتها ومعاملاتها حتى أصبحت  العقول الواعية  عبئا ثقيلا  على أصحابها وعلى المجتمع  والمؤسسات , وأهملت وتركت  لتخوض آلام الروح والنفس , ولتعيش حياتها لحظة بلحظه , لايهما أية مطية تركب حتى كاد قول الشاعر بديع الزمان الهمداني  ينطبق على البعض منهم

 

وقُلتُ لَمَّا احتفـل الــمِضمارُ ***واحتفتْ الأسماعُ والأبصَارُ

سوفَ ترى إذَا انْجَلى الغبارُ ***  أفــرسٌ تحتي أم حِـــمَارٌ

 وقال عمر بن الخطاب (ض) 🙁 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا , وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ).

,