مصطفى المتوكل الساحلي يكتب.. السياسة سيف ذو حدين .. تصيب وتخطئ …

بتاريخ 26 أبريل, 2018 - بقلم أسراك 24

 يتغير لباس السياسة ومضامينها  بتغير المرجعية الفكرية والأخلاقية لأصحابها  .وبحقيقة ميولات وقناعات ممارسيها وميولاتهم في علاقة موضوعية بالديموقراطية والحرية والعدالة والارتباط  بالقيم الحداثية و المحافظة كانت  يمينية او  يسارية ..وفي علاقة بمستوى الوفاء للمبادئ والمنظومات الفكرية المؤطرة لها  أو الإنحراف عنها ..

قال الإمام علي…((أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ اَلْمَاءِ بَعِيدَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وَ سَفِهَتْ حُلُومُكُمْ فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ وَ أُكْلَةٌ لآِكِلٍ وَ فَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ))  ..صائد 

فلكل نظام سياسي مفكروه وبناته والمدافعون عنه كما له معارضوه وخصومه وأعداؤه  ..كان  ديكتاتوريا أو عسكريا أو رأسماليا أو إشتراكيا ..إلخ .. ومن ثم يتخندق الناس من المجتمع بنسب تتفاوت قوتها وحجمها مع  جانب دون آخر  ، إما باقتناع و إيمان بفكره وسياساته ، أو جلبا  لمنفعة وريع  .. ولنا أمثلة في حكم العسكر بألمانيا النازية وإيطالية وإسبانيا  الفاشيين و غيرهم من الدول المماثلة لهم في إفريقا و آسيا و أمريكا اللاتينية و أوروبا الشرقية   .. ولهذا لانستغرب عندما يقتل “بعض” الفقراء والكادحين  من يدافع عنهم ويضحي من أجلهم كما حصل لشي غيفارا  وعمر بنجلون و

ولخص الإمام علي (ض)  الموضوع بقوله  “..للحق أقوام وللباطل أقوام..”

إن أهمية إيجابية  أو خطر الفكرة التي تحدث فعلا سياسيا أو إنتاجا علميا أو حراكا إجتماعيا أو موجهة إحتجاجية .. تكمن في بساطتها وعفويتها المدروسة التي تخاطب النفوس ، وتقدم إجابات ، وتغري بتحقق حلول منتظرة ومطلوبة تعبر عن قناعات وأحلام موضوعية أو مثالية لرأي عام ..باعتماد  تحقيق مقاطعات تمتد من الإستحقاقات الإنتخابية إلى  الخدمات و المنتوجات والبضائع   ، بتوظيف شبكات العلاقات بمواقع التواصل الإجتماعي لتحويل الفكرة إلى واقع تختلف درجة قوته بمستوى تأثيره الميداني المادي والمعنوي   كما حصل في الربيع الديموقراطي

فمن امتلك السياسة المبنية على أفكار مبدئية تنسجم مع ما يريده الناس ، ويمتلك منهجية تواصلية جيدة لينزلها في الواقع ويزرع الأمل بإظهار بعض النتائج ،  ينجح في فتح ابواب الأمل   عند الناس

إننا نعيش  كبشر بأوطان  تختلف فيها الأنظمة السياسية المدبرة لأمور الدول ، والتي  تسعى للتحكم في الواقع المعيش  والمفترض التعامل معه اليوم وغدا ، كما تتكامل وتتصارع فيها  سياسات مختلفة  تمتد من و إلى كل مراتب اليمين ،  وكذا تصنيفات اليسار  ، ومرجعيات أصولية وسلفيات  وضعية ودينية  .. التي تلتقي وتتشابه عندما تميل نحو الديموقراطية والحداثة ، أو عندما تجنح إلى القمع والتفقير والإستغلال  ، إنها  تؤطر بالدساتير والقوانين وحتى الأعراف  من يحكم ومن يوالي من  أحزاب ونقابات ومنظمات  ، ومن يخالف ويعارض بل وحتى من يصل به الأمر إلى مواقف عدمية  ..الخ   ..

إن كل من يمارس العمل السياسي المؤسساتي إلا ويطمح  للسلطة والحكم لينفذ من خلاله ما يؤمن به ويدعو له ظاهريا  ..وقد يصل إلى مبتغاه بصناديق الإنتخابات أو بغيرها  ليكشف أثناء تحمله للمسؤولية عن حقيقة صنفه وطبيعته  .. فإن كان حسن النية و صادقا وجديا وعمليا  كانت سياساته التطبيقية خيرا  للناس والوطن والدولة   ، وإن  انقلب على نفسه وعلى الناس فستكون قراراته ومواقفه  وبالا على الجميع ، وقد يتطرف في إجراءاته فيتطاول على مكتسبات الشعب ، ويلحق الضرر بقدرتهم الشرائية،  ويعطل آمالهم ، وييسر الطرق المتسببة في المزيد من الفقر والبطالة والجهل  متأبطا وداعيا لسياسات معنونة  بالإصلاح والتغيير ،  والحال أنها كالسم في العسل يظن الإنسان البسيط أنه يساق إلى الخير وما فيه شفاء للناس ، فيجد نفسه وأهله وآخرين  وقد أحاط بهم الشر والضرر من فوقهم وتحتهم وعن يمينهم ويسارهم .. بل ويتمادى ليشرع تحت غطاء القانون الذي يبرر به القرارات  المجحفة والظالمة .. فيحل ويبيح ويجيز  لأنصاره  ما يمنع ويحرم على غيرهم ،  فيأمرون بتنزيل بعض  السياسات في الواقع التي  كانوا ينتقدونها ويدعون  للتحرر منها قبل أن يصبحوا  في مراكز القرار والتشريع والحكم  ..

وفي مثل هذا قال سيدنا علي عليه السلام: ” الدولة ترد خطأ صاحبها صوابا، وصواب ضده خطأ

إن العقل  السياسي الذي ينتج المعرفة المحققة للتوازن والعدل والبناء الرصين يحتاج لتأهيل نظري وتطبيقي  ، وإلى تحقق علم وتوفر إرادة حرة متزنة ، وامتلاك قدرة على ترجمة الكلام والمخططات والبرامج وجعلها  واقعا  و يحقق المطلوب

.. فالثقة في كلامنا وتصريحاتنا وخطاباتنا التي نشحنها بالأحلام والتخوفات والأوهام والخرافات والأنانيات  لاتبني الإنسان ولا الوطن ولا الدولة  بقدر ما تعطل وتضلل وتفسد وتبعد عن الخلاص الفكري والمادي والروحي

..إن السؤال الذي يجب أن يسائل به كل سياسي نفسه في مواقع الحكم أو خارجها  هو : هل يفكر فيما يفكر فيه الشعب  ويهيئ تبعا لواقع الحال  حلولا   ملموسة وناجعة  في علاقة بمعانات  ومتطلبات حياة وطموح وتنمية المجتمع والرقي بمستوى  الدولة  ..؟ ..أم ينصبون أنفسهم  ويتصورون أنهم  بدائل عن الشعب ، من حقهم  تعطيل عقولهم  وإرادتهم   وإلزامهم بالعيش كما  يرى السياسي في تعارض كبير بين مصالح الشعب وطموحه  مما  يزيد الناس بعدا عن العمل السياسي ،  وشكا ورفضا للمتداولين على  كراسي السلطة والمتواجدين بالمؤسسات المنتخبة

..إن المعرفة المشتركة بين البشرية والمتجاوبة مع مصالحهم وكرامتهم وإرادتهم شيئ ، و”المعرفة” المذهبية والحزبية شيئ آخر وخاصة عندما تكون  أسيرة أدواتها وأفكارها وضوابطها المغرقة في الخصوصية  التي تحجب عنهم إدراك متاهات التعصب ومخاطر الاقصاء والتهميش  ..

إن أخطر مرحلة في أي مشهد سياسي هي أن يكون  المعنيون به غير قادرين على تجديد أنفسهم وتطوير آليات عملهم  وتجميع كل الكفاءات والطاقات وبناء شراكات وتكثلات سياسية منسجمة  لاتجعل همها في تولي الحكم وشؤون العامة فقط  بل أن تكون ضميرا يقظا للأمة  وقادرة على تحقيق التغيير والإصلاح المنشود بشكل ملموس يقر به الناس  ويثمنونه ويحمونه  ..

إن السياسات تجعلنا نحصد ما خططت له عقولنا و عملته أيدينا إن خيرا فخيرا ..وإن شرا فشرا ، ففساد الواقع دليل على إما  فشل السياسات ، أوضعف في الإرادات ، أو فساد في الذمم ، أو هي جمعاء ..

يقول علي عليه السلام : (وليكُن نظرك في عِمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً).

وكتب في بعض رسائله إلى عماله: (واخفضْ للرعيّة جناحك، وابسط لهم وجهك، وأَلِنْ لهم جنابك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك).

ونختم بقولته  …”من ساس نفسه أدرك السياسة

,