مدرستي الحلوة.. بالألوان

بتاريخ 11 سبتمبر, 2017 - بقلم أسراك 24


بقلم: محمد جمال الدين الناصفي/

لن أنسى أبدا تلك الأيام الجميلة التي عشناها في أول عهد لنا بالمدرسة ..نتمنى في كل لحظة أن تستعيدها ذاكرتنا لروعتها و إنسانيتها وبساطتها وعطاءاتنا .. كانت سنوات عنوانها البراءة والعفوية بدون تكلف .. كنا نستفيق كل صباح نفطر على نغمات الحساء و حبات الثمر ، نحمل محافظنا المصنوعة من البلاستيك نحشو فيها دفترا واحدا وقلم رصاص ولوحة سوداء وبعض قطع الطباشير المعدودة ، و كانت العروس التي تؤثت هذه الأدوات كتاب إقرأ لأحمد بوكماخ ، و قبل أن نودع أمهاتنا كانت تدس لنا خبزا مزيتا في محافظنا نفتخر به أمام أقراننا في الإستراحة ، و قبل أن نلج إلى أقسامنا نؤدي تحية العلم وقلوبنا مرتجفة مملوءة بالأحاسيس و نحن نحملق و نتابع بأعيننا علمنا الوطني بألوانه الحمراء ونجمته الخماسية الخضراء و هو يرتفع شيئا فشيئا إلى عنان السماء. كانت مدرستنا مكسوة بأشجار الليمون و أقسامنا مزينة بصور جميلة ومعلمونا بجلابيب ورابطة العنق وبقسمات تعلوها الصرامة و الجدية ، وكنا نستعد للضرب والسلخ في كل هفوة أو بدونها ، بهذه الطريقة حفظنا سور القرآن الكريم وتعلمنا الكتابة بأسسها الصحيحة وقرأنا ” أكلة البطاطس” و ” سعاد في المكتبة ” و “زوزو يصطاد السمك ” ، و كانت أحلى ساعاتنا هي دروس الأناشيد التي كنا نرفع فيها أصواتنا فرحا و حيوية بنشيد طلع ” البدر علينا ” أو “منبت الأحرار” .. و على هذا المنوال كبرنا ، ثم نترك كتبنا و دفاترنا و حتى أقلامنا في آخر السنة لإخواننا الصغار أو لأبناء الجيران ، و نتسلم بدورنا ما نحتاج له في السنة المقبلة من الذين سبقونا ..و حتى ملابسنا كانت تخضع لنظام التناوب بين أفراد الأسرة أو الجيران أو لمنطق التآزر و التشارك .كانت مدارسنا ومؤسساتنا كالمساجد ، و كان أساتذتنا كالرسل و الأنبياء ، و كانت بيوتنا الترابية عشنا الوحيد الذي نشعر فيه بالدفء و الطمأنينة . وشاءت الأقدار الربانية أن أعيد جزءا من هذه اللحظات الممتعة لما توليت مهمة التدريس ، و من الصدف الغريبة أن جاري في القسم المحادي لقسمي هو أول أستاذ لي .. كنت أقبل يديه كل صباح و مساء و أستحيي منه و أنوب عنه في غيابه أو مرضه . كنا في هذه المؤسسة كاليد واحدة ، و كانت أكبر أمانينا هي عندما نلتقي في الساحة لتفريغ مكبوتاتنا السياسية و الإقتصادية و حتى الجنسية ، و نتقاسم أفراحنا و أحزاننا و مشاغلنا ، وقتها كانت المدارس كالجنات تحتضننا و نحتضنها ، و ننتظر بفارغ الصبر لقاءاتنا و نكثنا و قفشاتنا ، و كانت أغلى أمانينا هو نجاح تلاميذنا و استقامتهم ونبوغهم . لكن ماذا حدث بعد هذه الصفحات المجيدة من تاريخ مدارسنا وتاريخ المؤسسات التربوية برمتها ؟ و لماذا وصل تعليمنا العمومي حاليا إلى هذا المستنقع الخطير ؟ و لماذا تحولت المؤسسات التعليمية إلى ما يشبه الملاهي الليلية ؟ و تفريخ العاطلين و الجريمة بمختلف أشكالها. ومن حق كل أفراد الشعب أن يتساءلوا أمام كل هذه النكسات المتتالية ، هل توجد لدى المسؤولين فعلا الرغبة الوطنية الصادقة في إصلاح التعليم ببلادنا ؟ أسئلة مشروعة يطرحها الكل و يتهرب منها الجميع ، و نحن نقول ونؤكد أن لا إصلاح في هذا المجال دون إصلاح الدولة و إصلاح مؤسساتها و تفعيل المؤسسات الديموقراطية ، و اصلاح الأحزاب السياسية و النقابات برمتها ووضع الآليات الفعلية للمراقبة و المحاسبة ، و زجر كل الإنتهازيين و الأصوليين الذين اغتنوا و راكموا الثروات على حساب الناشئة المغربية و المدرسة العمومية

. ـ لا يمكن إصلاح التعليم إلا بالعودة إلى تاريخنا و تراثنا و تقافتنا و تقاليدنا و ديننا الإسلامي الحنيف

. ـ لا يمكن إصلاح التعليم إلا بالقطع مع لوبي الفساد المشرئب دوما في ثقافته و تفكيره إلى حبيبته فرنسا التي لا تهدف إلا إلى ترسيخ تربيتها الإستعمارية البغيضة حتى تبقى أجيالنا رهينة في مصائدها الماكرة .

ـ لا يمكن إصلاح مدارسنا و تعليمنا على وصاية و إشراف من تربوا و درسوا في المعاهد و البعثات الأجنبية و لا يتحدثون حتى اللهجة المغربية أو العربية بلكنتها الصحيحة .

ـ لا يمكن إصلاح التعليم بإشراف ممن يعتبرون المناهج و الكتب المدرسية و اللأنظمة التربية مجرد صفقات تجارية مربحة تذر عليهم في كل موسم دراسي أرصدة خيالية تنضاف إلى حساباتهم البنكية الضخمة .

ـ لا يمكن إصلاح التعليم على يد طبقة برجوازية متعفنة يتمتع أبناؤها بمنح خيالية من جيوب الشعب وتتابع تعليمها و تكوينها في فرنسا و كندا و أمريكا لتتولى بعد تخرجها التنظير لهذا الشعب ، وتتحكم في اقتصاده وتوجهاته وتتولى رآسة الشركات و المؤسسات الكبرى و الجامعات و الوزارات و الأحزاب السياسوية ، فأبناء القيادات اليسارية والتقدمية المزيفة تخرجوا من المدارس الشيوعية في الإتحاد السوفياتي ، و أحزاب اليمين تخرج أبناؤهم من جامعات فرنسا و أمريكا و كندا ، و حتى ما يسمى بالإسلاميين الإنتهازيين أرسلوا فلذات أكبادهم للدراسة في الخليج و تركيا ، و ما تبقى من الطبقة المتسلطة يصرون على متابعة تعليم أبنائهم في المدارس الخصوصية “التجارية” المتنوعة على حساب قوت الشعب و ثرواته و خيراته . لا يمكن لمثل هذه النماذج المتشبعة بثقافة الغرب و عاداته و سلوكاته و منهجيته و غطرسته أن تصلح أي نظام تعليمي تربوي لأبناء الشعب .. آخر من يجب أن يتحدث أو يتكلف أو يحاضر أو يناظر في المنظومة التربية الوطنية هم هؤلاء . و إذا أردنا فعلا أن نصلح هذا المجال الحيوي في بلادنا لا بد لنا من القطع مع هذه التجارب الفاشلة ، و أن نصلح أولا المجتمع برمته سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا ، و أن نتخلص من الوصاية الأجنبية البغيظة و أذنابها الفرانكفونيون الذين لا يجمعهم بالوطن إلا جواز السفر ، و أن يتولى زمام و قيادة الإصلاح رجال وطنيون صادقون غيورون و ما أكثرهم ، لكنهم مهمشون و مبعدون ومقصيون داخل وزارة التربية الوطنية و خارجها لوضع مخطط وطني هادف أساسه تكوين الناشئة المغربية على أسس سليمة قوامها التربية و الأخلاق و التفتح على العالم و التعامل مع احتياجات سوق الشغل في مختلف التكوينات لامتصاص البطالة . بنوع من الرؤية الواضحة و الدراسة الميدانية السليمة و إسناد مهام تسيير وزارة التربية الوطنية إلى  رجالات مستقلين عن أي توجه سياسوي لهم من الكفاءة الفكرية و النزاهة و الأخلاق العالية و الوطنية الصادقة و الجدية اللازمة ما يجعلها مؤهلة للنجاح في عملها لإعادة الإعتبار لأبناء الشعب المغربي و للمدرسة العمومية .

,