لَقَدْ قَوْلَبُونَــا يَا وَلَدي…

بتاريخ 25 مايو, 2018 - بقلم أسراك 24

أسراك24 : محمد جمال الدين الناصفي/

وانا على عتبة الستين من العمر لا أدري يا ولدي هل جئنا وانت إلى هذا العالم بسبب خطأ قاتل في الحساب (…) أو عن طريق ثقب غادر في العازل الطبي أو عن سبق إصرار وترصد، كان من الممكن أن أولد وانت في الصومال أو الهند أو في أمريكا اللاتينية ولكن الأقدار الإلهية شاءت أن نفتح أعيننا هنا في هذا الوطن الحبيب الذي نعتز به وبهوائه وبصحرائه وبجباله وطبيعته الخلابة،فوجدنا أنفسنا وسط عائلة وإخوانا وأخوات تركوا لنا أحذيتهم وسراويلهم وكتبهم ودفاترهم وأقلام الرصاص التي استعملوها ولم تعد في مقاساتهم،أرسلونا إلى الفقيه برؤوس صلعاء وكان مشحاطه هو الذي يعلمنا أما هو فكان دوما مشغولا في حديث دائم مع نساء الحي لكتابة الحروز والرقية ، ولما أدخلونا إلى المدرسة علمونا أهم درس هو أكلة البطاطس “قالت الأم للولد كلي البطاطس فقال الولد أنا لا آكل البطاطس”،تعلمنا الصلاة وراء الإمام وكنا نستغرب ماذا تفعل هذه الأحجار المتناثرة في المسجد وقالوا لنا أن اسمها التيمومة ، وكل مساء خميس كنا ننتظر بلهف شديد قدوم طبسيل الكسكس الذي يجود به الكرماء لنفتش بين خضره عن قطعة لحم لم نتذوقها منذ عيد الأضحى،كنا نأخذ الشموع التي نجدها فوق حصير  المسجد ونضيء به أرجاء حومتنا التي لم يصلها الكهرباء،كنا نسير مع ا لجنائز ونقف في ذهول أمام الجثامين وهي توارى التراب ونمد أيدينا لحبات ثمر وربع محراشة بباب المقبرة،وفي الصيف كنا نهيم في مياه السواقي وأشجار الجنان و نسرق منها كل الثمار التي تطفأ لهيب الجوع الذي يحرقنا،

في الأعياد كان المحظوظ فينا من يتزين بفوقية بيضاء و صنضالة ميشلان ونتناوب على ركوب دراجة كنا نسميها عود الريح،ثم نذهب إلى السينما خلسة عن عائلاتنا ونتفرج في أفلام الكاراطي والهندي والكوبوي،ونجلس على الضص لنكتشف بعد نهاية الفلم أن مؤخراتنا قد امتلأت عن مؤخرها بسيلان من البول الخانز يسقينا به براهيش جلسوا خلفنا، ولما ولجنا كراسي الدراسة في الثانوي اكتشفنا أن دروس الفرنسية التي تعلمناها وكان في مقدمتها ” مينة جولي مينة،ميكي جولي ميكي” ما واكلا لينا والو ، وعلمونا الفرائض والتفسير والنحو والفقه والأصول ولما خرجنا إلى سوق الشغل كانوا يلقبوننا ب ” ليهوميص” ، وكانوا يقولون لنا : سيرو شوفو ليكوم التعليم إلى بغا يقبل عليكوم .
كبرنا على هذا المنوال بقسوة كبيرة وحرمان شديد وفقر مدقع لا وجود للغة الحنان أو العاطفة ،ورغم كل هذا رفعنا رؤوسنا عاليا لنبحث لنا عن مساحة تحمينا ، لنجد الزراويط في كل مكان تنتظرنا، عند المدير،عند البوليس، عند القايد ..وبقينا أخيرا هنا في المكان الذي حددوه لنا، فرضوا علينا الصمت والإنبطاح والإنصياع ، وفهمنا متأخرين لماذا أرادونا أن نبقى معهم لأنهم كانوا في حاجة إلى جيل بأكمله يصبون فيه حقدهم وتسلطهم حتى صرنا كالبهائم نقول نعم لكل شيء ، وويل لمن عاكس ذلك أو خرج عن الصف المشمع..
منحونا دستورا ولما طبقناه طردونا من حضرتهم ورمونا إلى الشارع كالجرذان، قالوا لنا تسمروا مع نشرات الأخبار حتى كنا نعتقد أن مذيعهم ولي صالح من أولياء الله ،وتستشهد أمهاتنا بكل ما يسمعن من أخبار في الراديو بأنه هو الحق ، أرغمونا على حضور تدشينات العمال والوزراء وخطب الساسة وحملاتهم الإنتخابية …
لقد كذبوا علينا في كل وعودهم وفي برلمانهم ومجالسهم وحكوماتهم وتناوبوا علينا كما يتناوب قطاع الطرق على صبية معزولة ووحيدة في الخلاء ،وتركونا نتقاتل بيننا بالسيوف والخناجر وبقايا زجاج قنينات الروج الذي تركوه لنا.
قالوا لنا أن البلد حصل على استقلاله واكتشفنا أن أجزاء من ترابنا لازالت مغتصبة …
قالوا لنا أن هذا هو عهد الديموقراطية والشفافية فذبحوهما أمام أعيننا بدون استحياء، بشرونا بالتعددية الحزبية فوجدنا أنها لعبة بكراسي متحركة، تحاملنا على أنفسنا كي نصدقهم مرة واحدة وهم يتحدثون عن مصلحتنا ومستقبلنا ، وتمنينا أن نصدقهم وهم يتحدثون باسمنا في كل المنابر والمواقع ولكن ذهبت كل أمانينا أدراج التاريخ المرصع بالأكاذيب.
فلما شابت جوانبنا ونخرتنا الأمراض المزمنة ولم نعد نصلح إلا لتقرقيب الناب قالوا لنا إن في العمر بقية وأننا سنرفع سن التقاعد حتى تنقذوا البلد من الهاوية ،كنا نفكر أن نغادر البلد ونتركهم وحدهم يكذبون ويصدقون أحلامهم واكتشفنا أننا كنا قردة للتجارب فلم يتركوا أيا من مخططاتهم إلا وجربوها فينا سواء كانت خماسية أو عشرية أو مخططا مستعجلا والنتيجة هي كما ترى يا ولدي.
جيل بأكمله يتآكل في صمت يوما بعد يوم وتتراقص في جوانبه الخيبات تحث نغمات قولوا العام زين .
لقد قولبونا و هزمونا بضربات متتالية ومع كل ذلك ما زالت عظامنا واقفة تحملنا ونرفض أن نسقط حتى لا يرقصوا فرحا بهزيمتنا..
قولبونا وما زلنا مسامير في أحديتهم حتى لا يدردكوا على صدورنا،هزمونا ولا زلنا نبتسم في وجوههم حتى يفقدوا صوابهم ولذة نصرهم .
عذرا يا ولدي لقد كنت سببا حتى تكبر معي في عش تعبث به الرياح الهوجاء من كل جانب، سجلتك في المدرسة الرسمية ولم أمنحك حقك في الساعات الإضافية لأني كنت أعتقد أن الوطن كفيل بنا جميعا ، لم أستطع أن أسجلك في جامعة الأخوين لأنني كنت أتصور أن الأخوة تلفنا جميعا ، ورغم ذلك دخلت الجامعة وحرموك من دراهم المنحة الموعودة واكتشفت بنفسك أجواء الكلية وقوانينها وأساتذتها وطالباتها بلباس وبدون لباس.
لقد قولبونا يا ولدي ورغم ذلك كن رجلا ،واجه الشدائد ولا تمد يدك لأحد ولا تصاعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحا، خد بطاقة الحزب والنقابة والجمعيات والمنتديات التي تختار واحذر أن تعيد نفس الفيلم الذي تفرج فيه أبوك  من قبل .
وأخيرا يا ولدي أتمنى أن يستفيد جيلكم من قولبتنا حتى لا تسقطوا بالضربات القاضية فلقد انهزمنا في الجولة الأولى  وتظاهرنا بالسقوط على الحلبة رحمة بالمتفرجبن حتى يصفقوا اكثر لاوجاعنا، الآن  جاء دوركم فاستعدوا جيدا للجولات القادمة.

,