لا قيمة لتحريات بدون دليل ملموس يؤكد صحة المنسوب لمسؤول صادر في حقه قرار يمس منصبه القانوني

بتاريخ 15 ديسمبر, 2019 - بقلم أسراك 24

لقد كثر الحديث في الأوساط الإدارية والحقوقية حاليا عن مناصب المسؤولية وما يصطلح عليه “البحث الولائي”، وتجاوز صيت الكلام المجال الوظيفي والإداري إلى المجال السياسي  والنقابي والحقوقي أيضا.

وكثافة تداول الاصطلاح في الآونة الأخيرة أدت أحيانا إلى ردود فعل متفاوتة، أي أنها لا تؤدي إلى وضوح المفهوم ومعرفة مدلوله بفعل استعماله وتداوله في كواليس إدارية مركزية، بل تؤدي إلى اختلال دلالته، والتباسها عند المترشحين لمناصب المسؤولية  والمقصيين من تحمل هذه الأخيرة .

و يرى إداريون أن ذلك راجع أولا إلى أن الأمر في مثل هذه الاصطلاحات المتداولة في المجالات الوظيفية والإدارية لا يرجع إلى مطلب المعرفة والوضوح المفاهيمي حتى يتوسل له بالنقاش الفكري القائم على الاستماع والإنصات إلى المعنيين ب” البحث الولائي”، بل يرجع إلى اعتبارات أخرى من بينها ما هو “شخصاني”، ولذا من الطبيعي أن يستعاض عن الحوار المعرفي بالمزايدات والحسابات البينية .

ومما يزيد الأمر التباسا أن هناك قرارات إدارية تمس مراكز قانونية لمسؤولين إداريين بقطاعات حكومية مختلفة ( قطاع وزارة التربية الوطنية نموذجا) لمجرد تحريات قام بها قطاع حكومي “معني” أو مجرد رأي مسؤول آخر أعلى مركزا، بدون أن يكون قائما على دليل ملموس أجري بشأن تحقيق تأكدت منه صحة ما قد يكون منسوبا إلى المعني ب”البحث الولائي”.

ومن بين الاجتهادات القضائية لمحكمة إدارية لإحدى الدول العربية: ” من المسلم به أنه لا يجوز إصدار قرار يمس مركزا قانونيا لأي إنسان لمجرد تحريات قامت بها جهة الإدارة أو مجرد قولا من أجهزة الأمن لم يقم دليل ملموس أجري بشان تحقيق تأكدت منه صحة ما قد يكون منسوبا إليه، إذ أنه من المقرر أن مثل هذه التحريات والتقارير كما تحتمل الصحة فإنها تحتمل الكذب أيضا سواء من قصور في التحريات أو عن تعمد إلباس الباطل ثوب الحق، خاصة إذا خلت الأوراق مما يفيد افتقاد أي من الشروط التي استلزمها المشرع”.

ويقول مسؤول سابق، لقد أصبح  “البحث الولائي “اليوم مصطلحا سائغا تتحجج به إدارات مركزية لقطاعات عمومية لإقصاء مسؤولين إداريين لمجرد عدم الانصياع لتدخلات خارج قطاع المسؤول أوالرضوخ والانبطاح لأوامر ورغبات سلطة تنفيذية، بل أصبح البعض يتحدث عنه وبالشكل الذي يتم به ( رد فعل) وعن ضرورته.

وقد جاء في خطاب عاهل البلاد: إننا نعرف جيدا أن هناك من يخدم الوطن، بكل غيرة وصدق. كما أن هناك من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه”. 06 نونبر 2014، كما أكد على :” أن الإدارة ملزمة بأن تفسر الأشياء للناس وأن تبرر قراراتها التي يجب أن تتخذ بناء على القانون” . 14 أكتوبر 2016.

وعلق متتبع ،بأن الإفراط في استخدام تحقيق يخص مسؤول أو مترشح لشغل منصب المسؤولية بدون دلائل ملموسة وواقعية، واستغلاله يجعل الأمر فرصة لتصفية الحسابات الشخصية بين مصالح إدارية في غياب الضوابط أو القواعد الحاكمة للتحقيق، والالتزام بعدم الخروج عن الأعراف والأخلاق والقيم التي ينبغي المحافظة عليها في مثل هذه المهام.

وأكد المصدر نفسه، على أن الجميع يدرك جيدا أن الإدارة العمومية تعيش مرحلة توارت فيها كثير من الصفات الحميدة الأمر الذي أدى إلى تفش كثير من الأمراض النفسية والأخلاقية والاجتماعية في دواليبها، وبقصد الحفاظ على ما تبقى للمسؤولية من صفات خيرة، فالأمر بحاجة إلى أن تكون هناك تحريات وتقصي موضوعي ومحايد ونزيه، لكشف الحقيقة بشأن إسناد مناصب المسؤولية إلى أشخاص محددين، ومن ثم اتخاذ قرار بعدم أهليتهم، تفاديا لانتشار آفات ضارة في المجتمع، ولعل الكذب وانعدام الصدق والأمانة هو القاسم المشترك بين كل الجرائم التي تعاني منها البلاد، مثل ( السرقات ـ الغش ـ التزوير ـ التهريب بأنواعه ـ وسوء استغلال السلطة ـ الاختلاس ـ الرشاوى بأنواعها )، وهناك رابط قوي بين كل هذه الموبقات وما شابهها وبين فقدان المصداقية وانعدام الصدق في القول والعمل.

وتابع المصدر، من هذا المنطلق يلزم الأمر التحرك نحو بناء جيل من  المسؤولين الإداريين أكثر صدقا وأمانة وحرصا على أداء الواجب لحماية النفوس والبلاد ومستقبل الأمة من المزيد من الانزلاق والتردي والانحدار.// جمال بن الصياغ.

,