عبد الللطيف وهبي يكتب: نخبة بدون أفكار

بتاريخ 29 أغسطس, 2018 - بقلم أسراك 24

أسراك24 /

((أحس أن شيئا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي” الملك محمد السادس

كثيرا ما أتساءل عن حقيقة أزمتنا، وعن أسبابها، هذه الأزمة التي حتى جلالة الملك أكد على وجودها في خطابه الأخير، وأشار بأنه رغم التطور الذي تعرفه البلاد فجلالته يحس بأن هناك شيئا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي؟.

إن إثارة جلالة الملك لهذا الموضوع يعد ملاحظة ذات حجم سياسي قوي، لأن الناطق بها هذه المرة رئيس الدولة، فهل نحن نعيش أزمة اجتماعية ناتجة عن أزمة مالية؟ أم أن أزمتنا هاته ناتجة عن أزمة اقتصادية؟ أم في الواقع نعيش أزمة سياسية انعكست على كل ما هو اجتماعي؟.

في الحقيقة،  نعيش كل هذه الأزمات التي ليست سوى انعكاسا حقيقيا لواقع مرير تعيشه نخبتنا الوطنية، مفاده بلوغها مرحلة فراغ قاتل، بسبب عدم قدرة هذه النخبة على التفكير، وعلى إنتاج أفكار وإبداع حلول جديدة لمرحلة مطالبها الاجتماعية تتراكم بسرعة الضوء.

بل إن ما يحز في النفس أكثر، هو أن لا الأشخاص باتوا قادرين على إنتاج الأفكار،  ولا الأحزاب، ولا العديد من المؤسسات أصبحت قادرة على ذلك؟ وكأن وباء العقم الفكري قد أصاب الجميع، فهل انقرضت عملية التفكير لدى هذا الجيل؟ أم فقط هناك جيل انقض على حق جيل آخر في مكاسب وامتيازات اجتماعية؟ أم أن أزمة عطب التفكير هي أزمة أكبر من الأشخاص وباتت أزمة مؤسسات وأحزاب  فقدت بدورها القدرة على التفكير وارتضت لنفسها تنفيذ توجيهات من مصادر مجهولة وافتراضية؟ أم أن الانتشار الواسع لجيل من الانتهازيين بلغت بهم انتهازيتهم درجة عدم التعبير عن أفكارهم خوفا من السقوط في خطأ قد يؤدي إلى  شبهة الاختلاف مع السلطة؟ أم أن هذه الأزمة ما هي في الحقيقة سوى انعكاس لاعتقاد وممارسة جديدين في تدبير الشأن العام قوامهما انتظار التعليمات والتوجيهات لتجنب الخطأ والهروب من المسؤولية، ومن تم الإفلات من المحاسبة؟.

إن هذا الواقع المر بات يسائلنا جميعا، بأي حق نتوقف عن التفكير وعن الإبداع في إدارة الشأن العام وتدبير الشأن السياسي؟ هل هو الخوف على الذوات؟ أم هو السعي لإرضاء الآخر؟.

إن الذين يحسبون أن الأموال قد تنتج مشاريع لفائدة ثرواتهم، لا يدركون أنه من الصعب عليهم أن ينتجوا حلولا اجتماعية للشعب، لكونهم يركبون نفس السفينة وأن جزءا من الوطنية سيجعلهم يعيشون ويعيش معهم الآخرون، فالرأسمال الذي يتحول إلى مجرد آلة حسابية دون قلب أو حس وطني أو حتى بعد إنساني هو رأسمال يتجه نحو الانتحار.

أما أولائك المريدون الذين يسبحون صباح مساء بشيخ زاويتهم السياسية، فمن الوهم الاعتقاد بأن لهؤلاء القدرة على التفكير وإبداع الحلول بدل الدوران في فلك تكرار المديح للشيخ.

إن مصلحة بلادنا تحتاج اليوم إلى الجرأة، تحتاج إلى التفكير، تحتاج إلى مشاريع تعود بالفائدة على الجميع، فالخلل لن يعالج إلا إذا أدركنا أن الحرية في التفكير هي القنطرة الوحيدة المؤدية نحو إيجاد الخلل الحقيقي ومعالجته، ففي رأيي أن يعاقب المرء من أجل خطأ في تفكير صدر عنه أفضل بكثير من مدح شخص آخر فقط لأنه لطيف وصموت ولا يتدخل في الأمور والأشياء ولا يبادر إلى الجهر بالتفكير وطرح الحلول البديلة والجريئة، كما أن الرأسمال ذا الاتجاه الاجتماعي هو الناجح تاريخيا لأنه يضمن البقاء للجميع وليس الأرباح المتعسفة فقط.

وفي ظل تاريخنا، عودنا الشعب المغربي النصح، ينصح بعضه بعضا، كما عودنا الحماس في النقاش من أجل الوطن والإنسان، فلماذا جف ذلك السيل العارم من الحماس الوطني؟ هل لهذه الدرجة أصيبت نخبتنا بالخواء الفكري؟ ورأسمالنا بالجفاف الإنساني؟.

إن الفراغ القاتل والعقم الفكري الذي نعيشه اليوم هو أكبر خطر وخلل يحاصر بلادنا ويكبل تطورها، فنحن مطالبون اليوم بالغوص في أسئلة وأسباب هذا العقم وهذا الخلل الفكري. وعلى كل حال، يبدو أن الطبقة الوسطى قد انهارت، والرأسمال أصابه الجشع، فأصبحنا أمام أزمة اجتماعية ينقصنا فيها شيء ما.

,