عبد اللطيف وهبي يكتب : الفجر الجديد لحزب البام

بتاريخ 29 مايو, 2018 - بقلم أسراك 24

أسراك24 /

 (( رصيد الديمقراطية الحقيقي ليس في صناديق الاقتراع فحسب ولكن في وعي الناس))  جون جاك روسو/

كانت القاعة الفسيحة بسلا مكتظة بأعضاء حزب الأصالة والمعاصرة، تشعر وأنت جالس بينهم أن هناك نوع من الاحتقان، عكسته التدخلات التي كانت تتسم بالغليان وحالة الانفعال القصوى، فأغلب أعضاء الحزب لا يريدون أن تنفلت من بين أناملهم تلك اللحظة السياسية والديمقراطية،  كلهم متمسكين بالصناديق وبالاقتراع السري، ويرفضون ديمقراطية التصفيق.

أما رئيسة المجلس الوطني، فكانت مجبرة على تحمل ذلك الجو المشحون، ولكن أدارت النقاش بذكاء وذهاء وصبر، ورغم ذلك تشعر أن الجميع كان مسؤولا، يريد الديمقراطية الداخلية، ويرفض أن يأتي القرار من خارج قواعد الحزب، لا يريد عداء مع أحد، ينادي البعض بفتح الحوار واحترام الجميع، والبعض الآخر بالديمقراطية مع قبول الآخر ودون المساس بالاحترام المتبادل اتجاه القوى والاحزاب السياسية الأخرى.

كانت تلك الحدة في التدخلات، توحي بولادة فكر احتجاجي، وشعور جديد بالذات السياسية لدى أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة، الذين رفعوا حناجرهم عاليا مطالبين بالديمقراطية الداخلية، وبالحسم عبر صناديق الاقتراع،  وكأنهم يريدون إلغاء مرحلة سابقة أو حتى القطيعة معها، حين كانت الأيادي التي ترفع بالتصفيق هي من تكون في خدمة من يقرر، إلا أن الأيادي التي صفقت لقيصر هي نفسها التي رمته بالحجارة، لذلك لا يغتر أحدا بالتصفيق.

في هذه الليلة شعرنا بأن البام تغير كثيرا، ويعيش انعراجا كبيرا، و فورة داخلية تريد التغيير، تغيير كل شيء، من النظام الداخلي للحزب و هياكل مؤسساته، إلى تجديد مواقفه، مرورا بالأشخاص والعقليات، يريدون أن يشعروا بأن المشروع مشروع الجميع، فانفعل البعض بشدة، وانتقد البعض الآخر بقوة، لكن ظل النقاش في إطار المسؤولية وعدم التطاول على الآخرين، كانت رسالة المناضلين والمناضلات واضحة، القطيعة مع الماضي والتوجه بشكل جماعي لبناء المستقبل.

وحين جاءت لحظة إعلان الترشيحات لمنصب الأمانة العامة،  فتح الباب أمام جميع أعضاء المجلس الوطني، غير أن هول المسؤولية الملقاة على عاتق القيادة الجديدة للبام في هذه المحطة المفصلية من تاريخ الحزب وتاريخ بلادنا، تردد الكثيرون ثم تراجعوا، بينما الشباب فكان له رأي آخر، يضغط بقوة، يريد أن يحتل الصدارة، كان طموحه مشروعا رغم أنه في حاجة إلى المزيد من تراكم التجربة، فترشح من أراد بكل حرية، وكانت الكلمة الفصل للصناديق.

كان الوقت يزاحمنا، ونحن نتجاوز منتصف الليل، وحماس الجميع يضغط للتصويت بسرعة، وبالرغم من التعب الذي أنهك أعضاء المجلس الوطني القادمين من مختلف ربوع المغرب، عاد حماس القاعة لحظة انطلاق عملية فرز الأوراق وإحصاء الأصوات، بشكل علني شفاف، كان الكل خائفا على لحظة الديمقراطية هته، لكن بعد أن بدأت تظهر ملامح النتائج الأولية، عاد الارتياح الممزوج بروح المسؤولية  والقبول بالنتائج، ليعم نوع من الهدوء  تكسره بعض الأصوات الداعية إلى المزيد من التغيير، تغيير المكتب السياسي في أقرب الآجال ومعه باقي هياكل الحزب، مأسسة القيادة الجماعية للحزب، فلن يتم القبول بعد اليوم منح الأمين العام  فرصة التصرف بشكل فردي، سنراقبه، سننتقده بقوة، ردد الكثيرون، معالم ثقافة جديدة، وكأن الحداثة بدأت تفكك مفاصله، فالجهات تريد موقعا متكافئا بالحزب، والشباب يريد مكانة أفضل، والمرأة تريد مكانة أقوى رغم أنها تترأس المجلس الوطني، أما شيوخ الحزب فقد انزووا أمام هذا الهيجان الفكري والسياسي والبشري يطرحون السؤال التالي: كيف يمكن تأطير كل هذا الحماس وهذه الطاقة؟.

ومع مطلع الفجر، شعر الجميع أن حزب البام عاد من بعيد وولد من جديد، وأصبحت مسؤولية قيادته أكبر وأخطر، تتطلب إدارة جماعية وديمقراطية داخلية، ومن فشل سيفشل مرحلته فقط، أما الحزب فلا يمكن مطلقا بعد اليوم أن يعود إلى الوراء.

,