خذوا العبرة من الموت ياعباد الله

بتاريخ 17 ديسمبر, 2014 - بقلم أسراك24

بقلم : محمد جمال الدين الناصفي

قبل ستة عشر سنة وضع الإتحاديون و معهم بقية المواطنين يدهم على قلوبهم خوفا على الوضع الصحي للوزير الأول وقتها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بعد الوعكة الصحية التي ألمت به وأجرى على إثرها عملية جراحية في الرأس كللت بالنجاح، وكان جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله يشرف شخصيا ويراقب الحالة الصحية ساعة بعد ساعة لوزيره الأول، بل أنه سارع لمفاجأة الطاقم الطبي وإدارة مستشفى ابن سينا وعبد الرحمان اليوسفي نفسه بزيارته له والسؤال عن أحوال الصحية، وقضى وقتا طويلا بجانبه لإعادة الثقة لمعنوياته وإحساسه بأن ملك البلاد يقف بجانبه ويؤازره.
ولم يكن المغاربة إطلاقا وهم يتابعون هذا الإحساس والعطف الملكي الإنساني النبيل أن ملكهم الحسن الثاني سينتقل إلى دار البقاء بعد أيام من هذه الزيارة، كما أن الحيوية التي أظهرها الملك قبل وفاته بساعات إثر زيارته لفرنسا في شهر يوليوز 1999 رفقة بعض الضباط المغاربة لحضور عيدها الوطني لم تكن توحي بأن الملك في ساعاته الأخيرة، بل أنه إلى حدود ليلة وفاته استقبل الرئيس اليمني السابق عبد الله علي صالح الذي كان آخر شخصية يستقبلها رحمه الله، وأقام على شرفه حفل عشاء فاخر، بل امتد به العطف في هذا العشاء ليشمل وزيره الأول ويحرص بنفسه على وجبة خاصة لليوسفي تحترم نظام الحمية المخصصة له من طرف طاقمه الطبي، كل هذه الأشياء جعلتنا جميعا نفاجأ بعد ساعات من هذا النشاط الملكي بالخبر الصاعق بموت الملك الحسن الثاني لأننا لا نستسيغ كبشر ذكر هادم اللذات، وهو الموت الذي يداهمنا في كل لحظة وحين، فهو لا يفرق بين الناس سواء كانوا ملوكا أو وزراء أو رأساء شركات أو ماسحي أحذية فالكل سواء.

وقبل شهر تقريبا غادرنا إلى دار الفناء بشكل مفاجئ المرحوم احمد الزايدي، وبعده كاد رئيس الحكومة ان يسلم الروح لله في حادث طائرة بوجدة، وبعده نجا الناطق الرسمي للحكومة الخلفي من موت محقق بسبب محاصرة الفيضانات له بكلميم، واليوم نفقد رجلا آخر في هرم المسؤولية المرحوم عبد الله باها وزير الدولة بشكل مفاجئ في نفس الوقع الذي توفي فيه الزايدي بل أن عبد الله باها نزل من سيارته مترجلا لتفقد مكان الحادث الذي أودى بحياة الزايدي في مفارقة غريبة تستحق الوقوف والتامل لمشيئة الله تعالى.
كانت هذه مقدمة لمسألة يعتبرها العلماء من علامات الساعة وهو الموت المفاجئ .
نحن إذا أمام أمر قاطع فكل نفس ذائقة الموت ولكن هذه الطريقة الفجائية هي التي تضع الكل أمام الحيرة والذهول ومراجعة النفس  التي تستهويها الدنيا بكل مفاتنها.
فالإستغراب الكبيرهو كيف ننسى كلنا هذه المصيبة، ونحن في نشوة من الحياة، ينافق بعضنا بعضا ونشهد الزور يوميا ونأكل لحوم بعضنا ،ونجمع المال الحلال و الحرام ،ونقسم بأغلظ الأيمان لأتفه الأسباب، ونخطط لحروب صغيرة وكبيرة لأعز أصدقائنا المقربين ولزوجاتنا وأبنائنا وجيراننا، ونحفر الحفر العميقة لزملائنا ولا ندري أننا أول من سيقع فيها، وانخرطنا جميعا في البهتان والخديعة وفي خضم هذا التيهان نسينا أنفسنا وأنستنا أنانيتنا وأنفسنا الأمارة بالسوء شيء اسمه الموت، وعندما يتجول كل منا بذاكرته في محيط عمله سواء كان تاجرا أو طبيبا أو أستاذا أو مسؤولا كبيرا أو وزيرا أو حتى رئيس حكومة، يجد أن الأغلبية الساحقة بحواليه منخرطة في هذا النفاق اليومي، النفاق السياسي والتربوي والإقتصادي، حتى أصبحت الأنانية من خصالنا الأساسية والظلم الشاذ من ممارستنا المعتادة ، وصرنا مجتمعا بدون أخلاق أو قيم في غفلة عن مصيرنا المحتوم، ولا ننتهي من تُرّهاتنا إلا عندما يفاجأنا قدر الموت، ولا نتذكره إلا لبضع دقائق، أثناء زيارتنا للمقبرة أو صلاة جنازة أو رحيل قريب لنا.
فلنجعل ياعباد الله من لحظة الموت فرصتنا لنصنع شيئا في هذه الحياة يرضي خالقنا وشيئا جميلا نرضي به الآخرين من أبناء جلدتنا، فإن أسوء شيء يمكن أن يصيبنا هو الفتنة والغفلة وننسى مصائرنا ونعيش أكثر من أموات في هذه الحياة الفانية.
فجدير بمن الموت يلاحقه في كل لحظة سواء كان ساجدا أو نائما أو راكبا ألا يكون فكره إلا في الموت ولا استعداد إلا لأجله، فكل ما هو آت قريب، والرسول صلى الله عليه و سلم يقول “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت”، والله تعالى يقول “قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم.”.
فلنراجع أنفسنا جميعا سواء كنا ملوكا أو سلاطين أو أمراء حاكمين أو محكومين ،وزراء أو زعماء أو دراويش، فلنصنع البسمة والمسرة في قلوب شعوبنا ومستضعفينا ولنترك في هذه الحياة بعضا من أشياء تنفعنا في سجلاتنا الحقيقية الناصعة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، فالعبر والصور والحكم تمر علينا كل دقيقة وساعة، فهل وصلتنا رسائلها جيدا ، فاللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين واغفر لنا إننا من المذنبين.

,