توجيهات خطاب العرش لأولي الألباب والعزم، فهل من متعظ ومذكر؟

بتاريخ 31 يوليو, 2019 - بقلم أسراك 24

جاء خطاب العرش العشرون واضحا جدا ولا غبار على مضامينه ولا يحتاج الى قراءات متعددة يغلب عليها الطابع “الفلسفي”، ومن الرسائل التي يمكن ان تستوقف كل متتبع له ، “مغرب لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات”، أكيد أن الكل يلمس ويلاحظ التفاوتات الصارخة بين مسؤولين وبين باقي عامة الشعب واتساع دوائر الفقر، دون التساؤل حول دور المنتخبين في ذلك كله والبحث عن مخرج للازمات الاجتماعية، والتصرفات المحبطة من أصحاب النفوذ وأبنائهم والمرفوضة اجتماعيا وقانونيا والتي تثير الاشمئزاز، أما مظاهر الريع فأضحت ظاهرة بامتياز ريع  حزبي وريع حقوقي وريع نقابي أينما وليت وجهك بالقطاع العام إلا و تجد أشكال من الريع، أما هدر الوقت والطاقات فما أكثره، اجتماعات ولقاءات تخصص لها اعتمادات مالية من المال العام، لتبقى خلاصتها بدون جدوى تذكر.

“المرحلة الجديدة ستتطلب نخبة جديدة من الكفاءات في مختلف المناصب والمسؤوليات”، الإدارة المغربية  يصعب عليها أن تنهض من سباتها ومسؤولين فيها متشبثين بالمناصب واحتكارها أكثر من عملهم وجديتهم من أجل تنمية البلاد للنجاح، وهنالك من ترسخ  لديهم مفهوم احتكار المناصب وتعددها، فالشخص الواحد قد يكون مديرا مركزيا وعضوا وممثلا في مجالس ومؤسسات دستورية، وهكذا يسري الوضع على بقية من يسير معه في ركب العمل .

إن القطاع العام الوطني، لكي ينهض لابد وأن يكون الاعتماد على الأمانة والنزاهة والاستقامة وعلى كفاءات شابة التي تتطلع لفرصتها أسوة بفرصة هؤلاء الذين أضحوا بفكرهم المتواضع عبئا عليه.

لقد سئمت قطاعات حكومية من مشاريع الإصلاح المتكررة وهي تبحث عن التصحيح وملت التربية الوطنية والصحة و…. وهي تقبع تحت وطأة من يقودها من متورطين في اختلالات كبرى ولا يهتم إلا بنفسه ومصلحته والكرسي الوريث الذي تحول في نظره وكأنه من إرث متروك له لعقود وليس لمرحلة .
المرحلة القادمة  تتطلب القيام بالخطوات الإيجابية التي لا تقبل المجاملات أو تقبل بأسلوب (احتكار المناصب) بالقدر الذي تقبل فيه وضع الشخص الصواب في المكان المناسب من منطلق الكفاءة والنزاهة والأمانة  وعدم الازدواجية في المهام ذات المسؤولية.

“نكلف رئيس الحكومة بأن يرفع لنظرنا، في أفق الدخول المقبل، مقترحات لاغتناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق”. أليس رئيس الحكومة الحالي و من سبقه هما اللذان يقترحان على عاهل البلاد أسماء الوزراء؟ أليس في المجلس الحكومي يتم تعيين أصحاب المناصب العليا؟ ورغم أن الملك يعين الولاة والعمال باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من وزير الداخلية، فأن رئيس الحكومة السابق قال في البرلمان “إنه لا يعرف الولاة والعمال”، في حين أن سلطة الاقتراح تقتضي معرفة من يقترح جيدا.

من ثمة تطرح أسئلة كثيرة عن المقاييس والمعايير والطرق  التي توصل إلى منصب وزير أو سفير أو مدير مركزي أو جهري أو إقليمي ، فهل المسألة مرتبطة فقط بـالسيرة الذاتية أو الكفاءة أو الشهادة؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى اعتبارات أخرى؟  وإلى أي حد يعتبر إلمام الشخص المرشح لشغل منصب المسؤولية، الذي سيشرف عليه، عاملا متحكما في اختياره لذلك المنصب؟ أم أن الأمر يقتضي الانتماء الحزبي والنقابي، وشجرة العائلة، والقرابة العائلية؟ أم ماذا؟

“نريد أن نوفر أسباب النجاح لهذه المرحلة الجديدة، بعقليات قادرة على الارتقاء بمستوى العمل، وعلى تحقيق التحول الجوهري الذي نريده”،إن أول شيء قد يقوله العقل هو توقيف المتورطين في الاختلالات الكبرى التي عرفتها قطاعات حكومية، ومساءلتهم ومحاسبتهم ، من هدر ملايير المخطط  الاستعجالي لإصلاح التعليم وقبله ملايير ميثاق التربية والتكوين وحاليا تم اقتراض ما قدره 500مليون درهم،  أموال برنامج”الإعداد السكني”، ملايير المخطط الأخضر، ملايير المحروقات،و…..

الخطاب الملكي بين وتغيير مجموعة من المسؤولين الحاليين الذي فشلوا في تنزيل التوجيهات الملكية بما فيهم رئيس الحكومة الحالي ضروري ومؤكد  إن ميزانيات الدولة الضخمة الموجهة للاستثمار في المجالات المختلفة لا تفي بغرضها لكون مسؤولين غير مؤهلين  يعبثون بها يتقاسمونها لتبقى شريحة من الشعب تغرق تحت عتبة الفقر يوما بعد يوم، والكفاءات الوطنية هاجرت خارج  المملكة، و كلما عين متورط في  الفساد بمنصب ، يتم تعيينه مجددا في منصب آخر وهكذا دواليك، بدون مساءلة و لا محاسبة !!!

إن إسناد مناصب المسؤولية  منذ 2011، عرفت  فوضى عارمة وتعيينات تغيب عنها معايير الكفاءة والاستحقاق والمصلحة العامة، ومثال لذلك القضية الثانية، فميزانية التربية والتكوين ارتفعت ب 30 مليار درها ، ومازال يعيش اختلالات كبرى وفوضى عارمة في التسيير والتدبير، ورغم فشله الدائم فمسؤوليه لم يتغيروا ويتلاعبون بالأرقام ويضخمون التقارير المرفوعة إلى من يعنيهم الأمر.

إن تفعيل المبادئ الدستورية بربط المسؤولية بالمحاسبة والمساواة والعدالة الاجتماعية هو المدخل الرئيسي لأي نموذج تنموي اقتصادي واجتماعي يجيب على الانتظارات والتطلعات الكبرى لكافة المواطنين.

وأن الديمقراطية بالشكل الذي تدار فيه داخل الأحزاب والنقابات والهيئات الحقوقية، لم تعد كافية  للانخراط الايجابي لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

ومرة أخرى هاهي التوجيهات الملكية، للإصلاحات المرتقبة، في عدد من القطاعات، كالتعليم والصحة، والفلاحة والاستثمار والنظام الضريبي، وهي فرصة أخرى لأولي الألباب والعزم.

محمد جمال بن عياد

,