همجية أباعوض.. زلزال إرهابي في باريس وهزات ارتدادية في دوار تاوجوست بأصادص تارودانت

بتاريخ 21 نوفمبر, 2015 - بقلم أسراك 24

26-620x349
أسراك 24 / عن موقع كيفاش /

تقف نسوة في مدخل مدينة أولاد تايمة، في حدود الساعة الخامسة صباحا، ينتظرن أن يحالفهن الحظ في إيجاد عمل في الحقول المجاورة للمدينة. وجوههن مغطاة بالكامل، تبدو عليهن علامات الإرهاق حتى قبل أن يبدأ يومهن المضني.
هنا الحياة قاسية، ولقمة العيش تتطلب العمل في ظروف لا إنسانية، وتدفع هؤلاء النسوة إلى الخروج في هذا الجو وهذا الوقت؛ برد شديد يجمد الدمعة على الخد.
تحركت حافلة نقل المسافرين نحو مدينة تارودانت، والأسئلة حول الظروف التي دفعت نسوة إلى الخروج في مثل ذلك الوقت الباكر تراودني.
تارودانت : في حدود السادسة صباحا، وصلت بنا الحافلة إلى تارودانت، بعد 9 ساعات هي مدة رحلة انطلقت من الدار البيضاء. أن تصل باكرا إلى هذا المكان معناه أن الملجأ الوحيد الذي يمكن أن ترمي فيه جسدك المتعب هو مقهى المحطة الطرقية.
رجال يتبادلون أطراف الحديث في ركن بعيد، وامرأة تقدم بها العمر تدخن في ركن مختبئ، ونادل بخطوات متثاقلة كأنه مجبر على هذا العمل، إذ كان لازال يغالب النوم ويكابد ليبقى واقفا. الأربعة رمقونا بنظراتهم عند دخولنا كأنهم يسألون عن سبب قدوم شابين إلى هذه المدينة في هذا الوقت، محملين بحقائب يبدو أنها آلات تصوير.
أشعل النادل التلفاز على قناة “فرانس 24″. كانت المقدمة في تلك الصبيحة تتحدث عن أحداث باريس، والإجراءات الأمينة الأخيرة. حاولت أن أركز على ما تقوله الصحافية، على أمل أن تنقل معلومة تفيد في الرحلة، لكن حديث النادل مع أحد أصدقائه عن مدبر عمليات باريس لفت انتباهنا.
حديث بالأمازيغية عن اسم محدد. إنه نفس الإسم الذي حملنا إلى هنا وقد جئنا نبحث عن أصوله. تبادلت النظرات والابتسامة مع المصور الصحافي، قلت له إنه حديث الساعة، حتى في هذا الوقت من اليوم. استمر النادل في حديثه مع صديقه. أعاد الاسم مرات ومرات. عبد الحميد أباعوض. نطقه بالأمازيغية مختلف تماما عن الكتابة بالفرنسية، والنطق بالعربية، إذ ينطقونه هنا “إباعوض”.. على كل حال هم “أهله وعشيرته” وأعلم بأصل اسمه وطريقة نطقه.
طريق تاوجوست
البحث عن أقارب عبد الحميد أباعوض، العقل المدبر لعمليات باريس، التي أزهقت أرواح حوالي 130 شخصا تقريبا يوم 13 نونبر، والذي قتل في سان دوني شمال فرنسا بتعاون استخباراتي مغربي، كان كالبحث عن إبرة في كومة قش، كما يقال. كان الأمر مرهقا، وزاده صعوبة أن الجميع هنا يتوجسون من الكلام عموما، ومن هذا الموضوع خصوصا.
كنا نسقنا مع أحد الفاعلين الجمعويين في المنطقة، على أساس أن نعرف من أين سنبدأ رحلة البحث. لم يكن طاقم موقع “كيفاش” يظن أن الحسن أيت أوبلا، الرجل اللطيف، سيعطينا مفتاح الوصول إلى قبيلة تاوجوست. إنها القبيلة التي رأى فيها عمر أباعوض، أب عبد الحميد، النور.
دوار تاوجوست : ستنطلق رحلتنا إلى قرية تاوجوست، التي تبعد بحوالي 40 كيلومترا عن مدينة تارودانت، من جماعة مشرع العين. هناك نصحنا الحسن أيت أوبلا بالبحث عن وسيلة مواصلات للوصول إلى القرية. وذلك ما فعلنا.
التقينا محمد، الذي وافق أن ينقلنا إلى تاوجوست، الواقعة في الجماعة القروية تدسي نسندالن. حقيقة الأمر لم نستطع تذكر اسم القرية رغم أننا سمعناه مرات ومرات منذ انطلاق رحلتنا.
في الطريق سألنا محمد عن الحياة في المنطقة، عن الفلاحة وتربية أغنام وغيرها، ودوما كان الجواب هو النفي. سكان هذه الناحية من المغرب ينتظرون ما ستجود به السماء من مياه لسقي أراضيهم، فليس هناك ري ولا وديان. الجفاف وحده يخيم. مشهد مرعب. تذكرت النسوة في أولاد تايمة في صباح هذا اليوم، اللواتي تركن منازلهن للبحث عن لقمة العيش بعيدا عن أراضيهن. لكن لسن وحدهن من هاجر الأرض.. أباعوض الأب غادر، ومن صلبه خرج عبد الحميد الذي حملتنا أخباره إلى هنا.. مسألة هجرة للكل، حتى تسامح أهل هذا المكان الوديعين هجره عبد الحميد وهو يضغط الزناد للقتل.
الكل هجر هذه الأرض. لم يبق فيها إلا من يحرس شيئا لم نتعرف عليه. من السكان من رحل إلى المدن الكبرى، وبالخصوص الرباط والدار البيضاء، ومنهم من هاجر الوطن. هذه الفئة الأخيرة كان من بينها عمر أب عبد الحميد أباعوض.
عمر وإخوانه وأبناء عمومته هاجروا القرية نحو فرنسا بمساعدة أحد الأجانب، الذي كان يتردد على المنطقة. كان إسمه موغا، حسب ما توصلنا إليه. ومن فرنسا توجه إلى بلجيكا حيث استقر إلى يومنا هذا.
عدنا للحديث مع محمد عن المنطقة. هذه المرة كان السؤال صريحا وفي صلب موضوع رحلتنا. ما رد فعل الناس في المنطقة بعد أن وصلهم خبر أن عبد الحميد أباعوض هو العقل المدبر لعمليات باريس بعد الالتحاق بتنظيم داعش؟ فقال: “الناس هنا ما عارفين والو من هاد الشي، الناس هنا ما كيسمعوش حتى الأخبار، كلهم مشغولين مع طرف ديال الخبز، وهاد يومين ملي سمعو إسم أباعوض كيدور تخلعو”.
محمد أكد أن الناس لم يصدقوا أن أحد أبناء أباعوض يستطيع فعل هذه الجرائم كلها. والواقع أن عبد الحميد قتل مسلمين ويهود ومسيحيين ومن لا يؤمنون بشيء، القتل عنده لا يميز.. هو لا يعادي شيئا محددا، وفي الوقت نفسه هو يعادي كل شيء.

طريق تاوجوست
البحث عن آل أباعوض
بعد حوالي 45 دقيقة وصلنا دوار تاوجوست. أخبرنا محمد أنه لن نجد من يتحدث معنا في موضوع رحلتنا، بسبب الخوف أولا، ثم لغياب الرجال عن الدوار، إما للعمل أو لأنهم يشتغلون في مدن بعيدة. ورغم ذلك لم نصدق ما قاله في الوهلة الأولى.
تجولنا في القرية دقائق عدة. المكان مهجور. ترددت في خواطرنا جملة واحدة: “لا طير يطير ولا وحش يسير”. كأننا في صحراء. حتى الحيوانات تهرب عند رؤيتنا.
ولا مخاطب في أزقة الدوار. وقفنا أمام باب منزل كنا نتوفر على صوره.. إنه منزل بناه عمر أباعوض، يركن إليه في العطلة الصيفية.
دوار تاوجوست
أخيرا رجل يخرج من المسجد. اتجهنا صوبه مهرولين كأننا لم نشاهد إنسانا من ذي قبل. السلام عليكم. وعليكم السلام. نحن صحافيين قدمنا من الدار البيضاء لنلتقي أقرباء عبد الحميد أبا عوض. كان الرد صادما لكنه منطقي. “أنا غير فقيه. ووزارة الأوقاف كتأكد علي عدم التدخل في شؤون الناس، والجدالات السياسية. ما جئتم من أجله أعرفه، لكن لا أستطيع الحديث، سيرو دورو ممكن ينفعكم شي حد”. تفهمنا الأمر وانصرفنا.
جولة من زقاق إلى آخر. دردشة خفيفة مع نسوة، قلن إنهن يستنكرن ما قام به عبد الحميد. أخريات لا تتكلمن بالعربية، وبالكاد نستطيع فهم بعض الكلمات، وفي آخر الحديث يقلن للتخلص منا: “آ كي عاون ربي”.
ساعة أو ما يزيد على هذه الحالة. فجأة خرج علينا رجل مسن أمرنا بالتوجه إلى شيخ القبيلة لأخذ رخصة للتصوير، قائلا: “واش ها القبيلة ما عندهاش اللي يحكمها؟ سيرو عند الشيخ. وهنا هاد الشي اللي دار الدري راه ما عجبناش وراه ولد بلجيكا هوما اللي كبروه”. تبادلنا أطراف الحديث. خلصنا منهم إلى أن عبد الحميد يبلغ من العمر 28 سنة.
بين أزقة الدوار القليلة. عثرنا على شاب وافق على الحديث. لم نسأله عن اسمه في الأول. قال إن عبد الحميد كان يأتي للقبيلة في العطلة الصيفية كأي واحد من أفراد الجالية. واستطرد: “كنعقل عليه، كان كيجي ونلعبو الكرة والبي، وكان ولد ضريف وكيحشم، وغير كيضحك”.
الشاب الذي نحن نتحدث إليه هو محمد أباعوض، أحد أبناء عمومة عبد الحميد، والذي تحسر على ما آل إليه مصير الشاب الضحوك. “ما كانش كيبان عليه داك الشي ديال داعش وحنا ما تيقناش في الأول حتى شفنا الاسم وتحققنا منو، هاد الشي غريب”، يقول محمد.
همجية هناك ورعب هنا
الشيء المؤكد، وعكس ما كان يتداول في بعض وسائل الإعلام، هو أن عبد الحميد زار المغرب في العديد من المرات قبل تبنيه الفكر الداعشي، وأن والده لم يأت للقرية هربا من ضجيج زملائنا في الصحافة الفرنسية، والذي أكد لهم أنه يستنكر هجمات باريس.

تركنا القرية. تركنا خلفنا أناسا أصابهم الرعب من حادث وقع بعيدا عنهم بـ2800 كيلومتر. بقيت وراءنا تاوجوست بقلوب أصيبت بهزات ارتدادية من تفجيرات وهجمات باريس الوحشية.
عدنا أدراجنا إلى مشرع العين. هناك حيث وصلتنا أخبار أن أخ عبد الحميد اعتقل في مطار مراكش قبل أسابيع، حيث كان من المفترض أن يتوجه إلى دوار والده. هل كان سيختبئ فيه؟
ثم من مشرع العين توجهنا إلى تارودانت. هناك حيث وصلتنا أخبار أن ابنة خالة عبد الحميد، حسناء أيت الحسن، التي قيل إنها فجرت نفسها في سان دوني شمال باريس، قبل أن يجري التأكد من أنها قتلت برصاص شرطة النخبة، زارت حوز مراكش في عيد الأضحى الأخير. هل هي زيارة وداع لوالديها المتقاعدين والمستقرين في المغرب؟
تذكرنا كلام العديد ممن التقيناهم في رحلتنا هذه: “ما وقع في باريس حرام وجريمة، لكن ما وقع هناك هو نتاج فرنسا وبلجيكا، ولا دخل لنا نحن هنا في المغرب بهذه الأمور، على دولهم أن تراقبهم، وعلى الجالية ألا يقحموننا في مشاكلهم”. هكذا يفهمون الأمور هنا، وفي كلامهم بعض الصواب، وبعض الخطأ، لكن الأمر مدعاة للتفكير في فزع أناس هجروا كل شيء، إلى بلاد بعيدة، لأنهم لم يجدوا شيئا في هذه الأرض المقفرة.
محمد محلا (تـ: محمد اكريمي عن موقع كيفاش


,