الوطن في حاجة للرجال

بتاريخ 11 يناير, 2017 - بقلم أسراك 24

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b5%d9%81%d9%8a
محمد جمال الدين الناصفي /
إذا كانت الطبقة السياسية تهز بتصريحاتها النارية هذه الأيام كل المنابر الاعلامية وتجمعاتها الداخلية والخارجية، وتتوعد خصومها  في الصباح لتعانقهم في المساء ،

فالمواطن العادي يدرك أن ذلك ليس حبا في رفاهيته وتحسين مستوى معيشته، وإنما لسبب وحيد هو أن هذه الفقاقيع التي تفرزها الثرثرات الفارغة هي من أجل شيء واحد وهو الكرسي.

لتبقى كل هذه التصريحات والتهديدات في الأخير هي فرقعات انتهازية لا تسمن ولاتغني شيئا في التنمية الشاملة للوطن والمواطنين أوتغيير أسلوب عيشهم في شيء،…..

الطبقة السياسية المغربية في مجملها ترهلت وشاخت عقليتها ،وهي الآن في حالة موت سريري ولاتنتظر إلا تشييعها .
فلو كانت تريد هذه الطبقة السياسية فعلا خيرا للوطن لتنازلت عن كل امتيازاتها وعن تقاعدها و التقليص من رواتب برلمانييها ووزرائها وموظفيها الكبار ومن مصاريف سفرياتها وبذخها وسياراتها الفارهة و مكاتبها الفخمة ومن ميزانيات مهدورة بدون حسيب أو رقيب في أي شيء سوى خدمة الوطن والمواطنين ،

هذا ما يريده الشعب، أما الهضرة الخاوية وتعمار الشوارج هادوك عيا منهم الشعب المقهور بفعل هذه السياسات المنافقة التي لم تنتج إلا الوبال ولازالت عائقا أمام تقدم الوطن الذي يستحق رجالات أفضل من هؤلاء الأصنام السياسية،

الوطن يحتاج إلا الشهامة والأنافة والمناضلين الصناديد والزعماء الصادقين الذين لايخافون في الله لومة لائم و ما أكثرهم لكن تم إبعادهم وإقصاؤهم وتنحيتهم وتهجيرهم وإبادتهم سياسيا ومعنويا بتوجيه من قياداتهم الحزبية الانتهازية التي تبقى مهمتها الأساسية ليس خدمة الوطن بل نصب المكائد والفخاخ والمضايقات لكل المناضلين الشرفاء حتى تتم تصفيتهم سياسيا وإبعادهم عن كل المخططات التي تغدي كل أساليب الانتهازية والاستغلال باسم النضال المتعفن وباسم السياسة المقيتة.
ونحن نحتفل بذكرى تقديم وثيقة الإستقلال وفي سياق الحديث عن السياسة والسياسيين أسوق إليكم ذاكرة  من مدينة تارودانت مختارة من المناضلين السياسيين الأولين الأفداد رحمهم الله الذين تجرعوا المحن والمضايقات لسبب واحد هو أنهم شرفاء ذخيرتهم ورأس مالهم هو عزة النفس والإباء وخدمة الوطن:
هو المرحوم اسماعبل هرماس بن سعيد بن على الذي حل بتارودانت قبل عشرات السنين ، ولد اسماعيل الروداني بحومة درب الأندلس سنة 1928 م ، توفيت والدته وهو في سن السادسة من عمره، وبعدها بسنتين توفي والده ليعيش طفولة اليتم، إضافة إلى قساوة وضنك العيش والظروف الإجتماعية العامة التي عرفها مغرب الثلاتينات بسبب الأزمة العالمية الكبرى 1929 م و لم يكن كل هذا حاجزا ولم يشكل عائقا أمام طموحه التربوي والعلمي، حيث التحق الفتى اسماعيل في سن مبكرة بمدينة مراكش طلبا للعلم وبحثا عن المعرفة في مدارس التعليم الحر التي أسستها الحركة الوطنية لاستقطاب أبناء المغاربة الذين يرغمون على الذهاب للتعليم العمومي الذي تشرف عليه سلطات الحماية ويكرس أفكار فرنسا الإستعمارية،…وقد توج المرحوم اسماعيل مساره الدراسي بشهادة السلك الأول من جامعة ابن يوسف سنة 1951 الذي خولت له الانخراط في سلك القضاء مباشرة مع فجر الإستقلال 1 /8 /56 م. خلال دراسته بمراكش عاشر زمرة من أقطاب الحركة الوطنية، وهناك شكلوا خلية المقاومة الوطنية التي ستتولى نقل الكفاح والمقاومة ضد الإحتلال الفرنسي بمدينة تارودانت على الخصوص دون فك الإرتباط مع خلية مراكش، انظم إلى حزب الإستقلال رسميا سنة 1942 ، ولم يتردد لاحقا في تأسيس الفرع المحلي للحزب بتارودانت رفقة آخرين، يومها كان النضال السياسي الحزبي يواجه بالحديد والنار، هذه الخطوة جرت عليه العديد من المضايقات حيث اعتقل من قبل سلطات الحماية الفرنسية، وألقي به في السجن الحكومي بباب القصبة بتارودانت وقام بالأشغال الشاقة كباقي أعضاء المقاومة دون محاكمة.،وحتى خلال ممارسته لمهنة القضاء فجر الإستقلال تعرض كذلك للمضايقات لكن هذه المرة من طرف رفقاء الأمس في النضال والمقاومة، وساندهم بل وزكى وشايتهم المغرضة أعضاء الحزب الذين احتلوا مناصب سياسية وحكومية على المستوى المركزي في ظل الإستقلال، حيث لم يتردد هؤلاء في مطالبته مرارا بغض الطرف عن المخالفين للقانون أو إطلاق سراح المجرمين العملاء المعتقلين، لكن المرحوم اسماعيل هرماس كان لايخاف في الله لومة لائم ويتشبت دوما بتطبيق المساطر القانونية وتنفيذ العدالة القضائية كما هي مسطرة رسميا في ظل مغرب مابعد الاحتلال، ولم يجدوا حيلة للتخلص منه سوى اتهامه بتلقي الرشاوي حيث أرسلت لجنة مركزية للتحقيق معه بدأ بالأحكام التي أصدرها وانتهاء بمصدر بعض الممتلكات/ من أين لك هذا/ التي ورثها عن والده، وحتى لاتعود هذه اللجنة الوزارية الحزبية الإستقلالية إلى الرباط/ وزير العدل هو امحمد بوستة/ خاوية الوفاض، ولم يعثروا على أدنى دليل إدانة، حز ذلك في نفس المرحوم اسماعيل وسلمهم وثيقتين بخط يده، الأولى استقالته من القضاء، والثانية استقالته كمسؤول ومؤسس فرع حزب الإستقلال بالقطر السوسي وعضو المجلس الوطني للحزب في رسالة تأديب وعتاب مؤثرة بعد عشرين سنة من النضال الحزبي، وحدث ذلك في2 / 11 / 62 م….بعد هذه التجربة المريرة والمفيدة في سلك القضاء إلتحق بالتعليم بتاريخ 1 / 10 / 1963 م كانت تسمى وقتها وزارة التهذيب الوطني والشباب حيث عمل المرحوم بثانوية ابن سليمان الروداني بمدينة تارودانت زمان كان رجل التعليم مثالا ساميا يحتدى به، والإنتساب للمهنة شرف يرتجى، ولم بلبث المرحوم اسماعيل أن قدم استقالته لأسباب لاتقل عن ماسبق ذكره، لبداية انحراف مناهج التعليم نحو المنعرج، حيث بدأ التخلي عن المبادئ السياسية العامة الواحدة تلوى الأخرى التي كانت كثلة الحركة الوطنية تطالب بها ومنها إصلاح التعليم، وجعله من الأولويات الوطنية بعد الإصلاح الزراعي،……لما خرج المرحوم هرماس اسماعيل بن محمد الروداني1968 م من الوظيفة العمومية والنضال السيا سي بطربوشه وجلبابه بعدما ترك جلده، وحيث أن رفقاء الدرب ومناضلوا الأمس حصلوا على منافع مغرية وامتيازات مادية مهمة قرر هو في صمت وكبرياء خوض غمار الفلاحة وفق الأساليب العصرية المعتمدة في ضيعات الإحتلال، واستثمر لهذا ذكاءه وحنكة تجربته، وإرثه من والده فكانت أول مرة يبتسم له فيه القضاء الإلهي فيما عزم وتوكل، لكن لم يمهله القدر طويلا حيث توفي سنة 1977 م عن سن 48 سنة في أوج شبابه و عز عمره وأوج فلاحته، رحم الله الجميع، يقول سبحانه وتعالى : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولا فسادا .

,