الله يعطيك الصحة …يوم الأحد: عنوان القصة القصيرة الفائزة بالمرتبة الأولى صنف الشباب ضمن فعاليا ت لقاء اولادتايمة الوطني للادباء الشباب

بتاريخ 10 مارس, 2015 - بقلم أسراك24

10351336_925525164146301_8310136683486116359_n
يوم الأحــــد :لمحمد إيدسان ///

فِي الأحد .. كُل أَحَد .. تَمْسَحُ عَنْكَ كُل تَغَنُّجِ السَبت و تَستعدُ لِخَوَاءِ الأَحد .. تتأملُ السَقف قَلِيلاً، و تَتذكرُ حَبيبَاتِكَ السَّابِقَات : كَيْفَ سَيصبحنّ ؟
تُربِكُ الضَجر قَلِيلاً بِتَخَيُّلِ كَيْفَ يَضّعْنَ الميكَآبْ ؟ وَمَاذَا يُغنينَ صَباح الـأَحَد ؟
تتذكرُ الْمَوْتَ ( رَغْمَ أَنَّكَ لَا تَنساهُ ). تَتَسَاءَلُ و أَنْتَ تَتَثَاءَبُ :
كَيْفَ يَشْعُرُ الأَبيض حِينَ تُرَمّمُ الألوانُ شُقُوقَاتِهِ ؟ هَلْ يَشْعُرُ اللاَشيء ؟ لماذا إنتحر هامنغواي ؟
تَسْخَرُ مِنْكَ وَمنْ كُلِ تَفَاصِيلِكَ. فجأة يَقُولُكَ السُؤالْ :
مَاذَا لَوْ كُنْتَ غَيْرَكَ ؟
طَبعَاً لَيْسَ مُقْنِعَاً جَوابُ درْوِيش : ( لِصرْتُ أَنَا، مَرَّةً ثانيةْ) تتحسسُ جَوْرَبَكَ الأَيسر المثقوب وَتَبْتَسِمُ كَأَيٍّ مُنْهَزِمٍ :
الْآنَ سأعيشُ آنِي ( غُرُورَاً، تَظنُكَ تَمْتَلِكُ الْآن ) مَعَ اللاشيء (لِأَنَّه الْغَامِضُ الْغَاوِي الْجَمِيل) وَتُنْصِتُ لِقَصِيدَةِ دَرْوِيش ( يَوْمُ الْأَحَدْ ). بَعْدَهَا تَتَسَرَّبُ إِلَيكَ فَوْضىً بُوزفورية، فَتَغْفُو فِي أَحَدِكَ و تَقُولُ مَا يَقُولُ بُوزفور :
أَنَا إنسانٌ أَحَدي.
و تَسْتَلْقِي (وَ تتخيلُكَ ربّ الأَحد) لِتَقْرَأَ قِصةَ الأَحد لِأَحمد بُوزفور. و تَبْتَسِمُ فِي سِرِّكَ وَتَقَول لِتَجلِيكَ فِي المِرآة شِمالكَ :
يكفيني هَذا الشتات، يكفي هذا الغرق المُستمر في الذاكرة.
تحاول أن تتبوءكَ:
أقف أمام المِرأة، أمشط شعري جهة اليسار، و أرتبّ ــ واهماً ــ شكل أسناني، أتحسس زوايا المرآة، لأني أخشى السقوط ــ جميلاًــ منها. ربما أنا محض فِكرة تُداري هشاشتها في الزحام، أو ربما {فيغكول Virgule} في جملٍ لا تُرىَ.
تُثيرني هذه الفِكرة : تخييل الناس فيغكولات في جمل. و الجُمل حيوات .. أمضي في سُقوطي فيّ المُعفر بالتفاصيل المُمتعة.
تمر الطفولة أمامي هادئةً زرقاءً بيضاءً كـ شَال الأم تيريزا. تَتأَمَّلها وتحْرِصُ عَلَى مَسَافَةٍ لاَزِمَةٍ لئَلا تَتَلَبَّسكَ التَّفَاصِيل. يُخَيلُ لَكَ ذَاكَ الطّفلَ الْقَدِيم يَسِيرُ مُتَكِئاً عَلَى قَفَصِ جَسدهِ وَيَتَأَرْجَحُ على الأركان وَيَتَسَاءَلُ فِي سِرِّهِ :
كَيْفَ سَتَنْتَهِي حِكَايَةُ جَدتيِ اللَّيْلَةَ ؟
لم تكن لكَ جدةٌ، لكنك ألححتَ في جوانيتكَ أن تكُون لكْ. ونحن أحرارٌ في ترتيب حيواتنا داخلنا. كنتَ تسهو بعيداً في شكل فمِ جدتكَ التي لم ترها يوماً، وهي تَحكي، كانت شاعرةً حَكاوية تمشي طراوة الحكايات في فمها على مهلٍ، وتلجٌ عيونكم الشرهةٍ لغواية النهاية، كما تستبيح الريح عورة الناي.
” لَا تَجْتَهِدْوا فِي تَأويل الْحَيَاة أبنائي، إِنَّهَا مَحْضُ ضِدٍ قَدِيمٍ مَعْتُوهِ لِلْمَوْتِ، إِنَّهَا ظِلُ الْمَوْت. وَ الْمَوْتُ كَالْبداِيّةِ عَارٍ و جَلِيلٌ بِعُريّه المُطلق، لَا يَدعِ الوُضوحَ أَوْ التَّوْضِيحَ، إِنَّه لَا يَقُولُ وَلَا يُفَسِّرُ وَلَا يُؤَوِّلُ. إِنَّه يَمْشِي فَقَط، يَمْشِي فِي الزِّحام وَيَعْرِجُ عَلى كُلّ الأَرواح التِي سَئِمَتْ الوُضوح الْمُزَيَّف ”
كنتَ تحبُّ كأسها الطينية المُطلاة بالقطران. تنام في حجرها و تلحفكَ بجلباب جدكَ الشهيد في عام الجوع، المُعطر برائحة الكافور. الرائحة وحدها كانت تختزل التاريخ حتى أنكَ إشتهيتَ لو تَكونُها.
مَاذا لو كُنتُ {لَوً}. الكُل يَشتهيها و يحنّ إليها. إنها مرغوبة جِداً و مُشتهاة كَفكرة الله. كم أنا حشري جداً ومنبوذ ولقيط لأحلمَ أن أصغر وأسكن حرفين إثنين يتظاهران بالأُنس لَـ وْ. إنهُ انـا و ظِلي الذي لا يُواري عُريه.
أتواطؤ قليلاً ضد أصلي الحِكائي وأجمع حقيبتي الجلدية و أرتدي حذائي الأسود وأتحسسُ مفتاحي، إنه مَعي. إنه أهمُ من أوراق الهوية. المفتاح ما يلزمني لأنتمي، لا البطاقة التعريفية التي لا تسأم من وحشيتها كلما قرأتُ عليها مهنتي ــ بِدون ــ .أصِلُ الباب وأنسى حزامي، لا يهم .. يجب أن أصل.
..
..
في الطريق أطفال صُلع خرجوا من الكُتاب يلعبون بطائرات ورقية، يقف بَصركَ الهش عند المشهد. الطَّائِرَةُ الْوَرَقِيَّةُ بِكُلّ خِفَّتِهَا و هَشَاشَتهَا تُذكرني أَنّي لَا أَبْعُدُ كَثِيرَا عَنْ مثواي فِي الرّيحِ وَفِي الْبَعيدْ، لطالما كنتُ طائرة ورقية أو سفينة من خنيشات الحليب في أحلامي، أمْلأُ قَلِيلَا شَغَبَ الأطفال و فَراغَهُمْ بِبَعْضِ الصّحْوِ ومَعنى هُروب الفراشاتْ، وَتَمْلَؤُنّي الرّيحُ بِالْجَدْوَى. الريح تقنعني أني لا أزال أقاوم.
عند حافة الزقاق قرب مُولاَت المسمن، تُحبُّ أن تتأمل ملامح المُتسولة العمياء هناك. تُذكركَ بأمكَ و بانحناءة ظهرها و الفجِ الأخضر الموصل بين شفتها السُفلى وذقنها. تقف قليلاً تضع حقيبتكَ بين فخذيكَ و تشعل سيجارتك الماركيز، السيجارة موقفكَ من الخواء المبثوث فيكْ. تتسلل ذاكرتكَ مُجدداً إلى الشَبه المُزعج، فتهدي النفس الأول من الماركيز للسماء. تعلمُ بلا شك أنكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ لَم ترمّمْ أَيّ شَيْءٍ، كُنتَ عَزاء أمكَ الأخير و رُبما الْجَمِيل، لَكِنكَ كاللاشيء لَا تحضُرُ إلّا فِي شُقُوقَاتِ الشيْءِ وَفِي غَفوَاتِهِ. لَمْ تُلَوّنكَ الْحَيَاةْ لِتُدْرِكَكَ الْهُوِيَّة، سَقَطَتْ عَنكَ كُلُّ الأَلوان وَتَأَفَّفَتْ الْحَيَاةُ مِنْ حَشْوِكَ. لَمْ يَكُنْ ذَنْبُ الْحَيَاةِ وَحِيداً.
الْبِدَايَة ذَنْبُ الْحَيَاةِ الأولْ وَأَنَتَ وَمَنْ هُمْ مِثْلكَ، أُؤلئكَ مَنْ لَا يُجِيدُونَ غَيْرَ التَّظَاهُرِ بِالْحَيَاةِ : ذُنــــوبُ الْحَيَاةْ.
تَأَتيْكَ الْحَيَاةُ ضمآنة حِينَاً و مُنْصِفَةٌ حِينَاً، تُسْقِطُ حَجَرَا صَغِيرَا فِي قلبكَ و تَنتظرُ : هَلْ سَتُسْعَدُ بِفِكرَةِ الحياة ؟ لَا يَصِلُ الْحَجَرُ وَلَا يَنْتَهِي قَاعُكَ. خُلِقْتَ مِنْ هَشَاشَةِ السُّقُوطِ، سقطتَ حَتى فِي أحلامكَ حيثُ تَعلمنا مِن جَداتنا الحَكاوياتْ أن سرّ الحكاية ينتهي في الحُلم ولا ينتهيِ في الحَكي، والحُلم لا يطمئنُ إلا للسَوادْ، وأنتَ كنتَ نَشازَ السرّ أُنهيتهُ في الحَكي. فَلَا يَجِيءُ في حُلمكَ غَيْر صَوْتِ مُعلِمَة الفرنسية سَاخِطَا :
سِي ليفيغْ، سِي ليفيغْ/ c’est l’hiver, c’est l’hiver
صَحِيح إِنَّه الشِّتَاء. شِتَاءُ الرُوح.
شتاؤُكَ.
وَيَجِيءُ صَوْتُ أَبِيكَ مُسائلا : إِلَى أَيْنَ ؟
إِلَى السُّقُوطِ تِلْوَ السُّقُوطْ.
أَمَامَ سُؤَالِ الْحَيَاة لَمْ يُجِبّ مَاؤكَ، أَجَابَ تُرَابِكَ الْمَغْشُوش. تُرَابِكَ الَّذِي لم تُسعِدهُ مُغَامَرَات دُونكيشوط لِأَنّهَا تُذكِرُهُ بِالطَّائِرَاتِ الْوَرَقِيَّةِ.
“ما كان يَجِبْ أَنْ تُصَارِعَنَا دونكيشوط .. ما كان يَجِبْ ..”
..
إنه الأحد، صَحيح، تباً. المقاهي تضجٌ بالكَائنات الرخوة. حقاً إنه الأحد. تنظرُ إليهم بازدراءٍ : لما لا يرتكبون حقهم في الرحيل ؟
لم ترحل أنتَ إلا عن طفل الأرجوحة الذي كُنتهُ، وعن صندوق الجامع القديم الذي تتلصص و تسرق منه بعض الدُريهمات لتشتري الحناء لِبنةِ الفقيه. لا تغتر برحيلكَ. لستَ الآن سوى تجليٍ نَّحِيفٍ ذّابِلٍ مصاب بالحياة. تعود إلى بيتكَ سريعاً كالعُمر، تخلعُ سترتكَ و سروالكَ البُني و جواربكَ وتُشغل بعض الأغاني الغجرية الخفيفة، وتسقطُ على الفراش مشلول الحركة. تجسُ ملابسكَ الداخلية وتَتحسسُ جهازكَ التناسلي، فَتتذكركَ وأنتَ تتهافتُ عليكَ وُجوهٌ مألوفة :
ما إسمي ؟ من أنتمْ ؟
نظراتهمُ متهالكةُ بالتَعب و الشَفقة، يتأخرون في الإجابة وقد لا يُجيبون. لا تستطيع الحِراك، عيناكَ شاهقتان كمن يستقبلُ المَوت. يخلعون عنكَ ملابسكَ الداخلية ويُرطبون مؤخرتكَ بموادِ ترطيب وأنت تَصرخْ :
مَا بِكم ؟ ماذا تصنعون بي ؟
يُفرغونكَ مما سعيتَ كل حياتكَ لتمتلئ بِه. يُفرغونكَ من تاريخكَ ومن غروركَ و نزقكَ .. يُقحمون أشياءً غريبةً في جسدكَ، في خريطتكَ السريّة. لا تزالُ تنتفضْ لكن دُون جَدوى. كأن العالمَ يُقلبّ عُريك على مَهلٍ، كشيخ يُقلب النقود ليميزهاَ.
أخيراً
يُنهونكَ، فيضعون لكَ حفاظةً ..
حفاظةْ ؟؟ !!!
أجل
و تتأوهْ ..
أواااااااهٍ. فتسقطُ دمعةٌ جُوانية فَلحت في رُؤيتها المسافة و الجُوانية و المَرئي. دمعةٌ لم تُساومكَ في التَشظي.
فسقـــطتُ ..
الآن سأولدُ بعيداً عن ذَاكرتي، هذا الجرحُ المبثوث فيّ. وسَأهِبُني للعَدم بحبٍّ و بتعبٍ جَميل، كما يَهبُّ الغَجر أغَانيهم للوُجود ..
هَا أنذا أجلسُ خفيفاً مني ومن كُل الأمكنة ومن الأسماء. لاَ شيء حَولي واللاشيء. ربما قد يكون العَدم .. ربما وربما لم أتخلصْ بَعد مِن خَطيئةِ الأَسمَاءْ ..
أنَا
نِسيانٌ
صَامِدٌ ..
صَـ
ا
مِ
دْ

,